التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٤ - البداء في كفة الميزان(موضعه من صفاته تعالى الجمال والجلال)
التأويل الذي تبنّاه الإمام الرازي- وأسلافه وأخلافه- بشأن آية المحو والإثبات، محاولًا التئامها مع حديث جفّ القلم، إنّما ينسجم مع عقيدة الجبر في التقدير، فما قُدّر في الأزل لا يتغيّر مع الأبد.
وهذا بعينه نفس قولة اليهود: يداللّه مغلولة، وأنّ اللّه قد فرغ من الأمر، فلا نسخ في شريعة ولا بداء في خليقة. فلا محو لما أثبته التقدير، ولا إثبات لِما لَمْ يُثبته قلم التدبير في الأزل، فقد جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.
ومن الغريب أنّه يحاول تبرير موضع اليهود من تلك القولة أو إنكارها رأسا:
قال: في هذا الموضع إشكال، وهو أنّ اللّه تعالى حكى عن اليهود أنّهم قالوا ذلك، ولا شكّ أنّ اللّه صادق في كلّ ما أخبر، ونرى اليهود مطبقين على أنّا لانقول ذلك ولا نعتقده ألبتة. وأيضا المذهب الذي يحكي عن العقلاء لابدّ أن لايكون معلوم البطلان بضرورة العقل، والقول بأنّ يد اللّه مغلولة قول باطل ببديهة العقل، إذ كيف يمكنه تعالى- مع القدرة الناقصة- حفظ العالم وتدبيره؟
إذن حصل الإشكال الشديد في تصحيح هذا النقل والحكاية.
ثمّ أخذ في حلّ الإشكال من وجوه:
الأوّل: لعلّ القوم إنّما قالوها على سبيل الجدل والإلزام.
الثاني: يمكن صدورها على وجه السخريّة والاستهزاء، لما رأوا من الفقر المدقع في جماعة المسلمين آنذاك.
الثالث: أنّهم كانوا قبل البعثة الكريمة في رفاه وثروة، ثمّ لمّا ضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَت قالوا هذه الكلمة بمعنى أنّه تعالى بخل في عطائه بالنسبة إليهم.
الرابع: أنّها قولة صدرت على مذاهب أهل الفلسفة القائلة بأنّه تعالى موجَبٌ لذاته، فلا يصدر منه شيء إلّا على نهج واحد، فلا يقدر تعالى على تغييره، فعبّروا عن عدم الاقتدار بغلّ اليدين.[١]
[١] - أنكر العلّامة الطباطبائي صحّة نسبة هذا المذهب إلى الفلاسفة، وأنّهم يتبرّأون من ذلك. قال: إنّها ناشئة من سوء الفهم في المقاصد البرهانيّة. هامش البحار، ج ٤، ص ٩٨، رقم ٢.