التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٥ - العلم الذاتي والعلم الفعلي
فعليّة خارجة عن الذات، وهي التي يتوقّف ثبوتها على تحقّق متعلّق غير الذات المقدّسة، نظير صفات الخلق والرزق والإحياء والإماتة، المتوقّفة على وجود مخلوق ومرزوق وحيّ وميّت. والأشياء لمّا كانت بأنفسها وأعيانها مملوكة ومحاطة له تعالى، كان الجميع- كائنة ما كانت- علما (معلومة) له تعالى، وهذا النوع من العلم من صفاته الفعليّة التي تتحقّق عند تحقّق الفعل منه تعالى، لا قبل ذلك، ولا يلزم من ثبوتها بعد ما لم تكن تغيّرٌ في ذاته تعال وتقدّس، لأنّها لاتعدو مقام الفعل ولا تدخل في عالم الذات.
فقوله تعالى: «وَ لَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»،[١] إنّما يعني هذا العلم الفعلي الذي هو نتيجة الملك والإحاطة والخلق والإيجاد، إذ كيف يمكن الجهل بشيء هو مصنوعه وناشئ في ملكه وبإذنه تعالى وتقدّس.[٢]
وبذلك نستطيع توجيه ما نُسب إلى هشام من القول بأنّ اللّه تعالى إنّما يعلم الجزئيات عند وقوعها.
وذلك نظرا لأنّ العلم- في حقيقته- خرق للحُجُب الحائلة بين العالم والمعلوم، وإنّ العلم بذات الشيء إنّما يكون عند تحقّقه وظهوره على صفحة الوجود، والمقصود من الجزئيات هي التشخّصات الحقيقيّة، المحُقّقة لفعليّهالوجود، فقد تساوق علمُه تعالى بالأشياء وظهور الأشياء في عالم الوجود. فصحّ القول بأنّ علمه تعالى الفعلي بالأشياء ليس سوى حضور الأشياء بذواتها لديه تعالى وكونها بمحضره الفسيح.
الأمر الذي عرفته من كلام سيّدنا العلّامة الطباطبائي قدس سره.
العلم الذاتي والعلم الفعليّ
قد عرفت في تعبير سيّدنا العلّامة تنويع علمه تعالى إلى الذاتيّ والفعليّ، وأنّ الأوّل هو المستند إلى الذات المقدّسة لا شيء سواها، وهو العلم الأزليّ الكائن قبل وجود الأشياء. أمّا العلم الفعلي فهو الحاصل بحصول الأشياء وعند وجوداتها في عرصة
[١] - الأنعام ١٣: ٦.
[٢] - الميزان، ج ٧، ص ٢٧- ٢٨ وراجع ص ٢٦.