التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٣ - معني شقي و سعيد
على طول البقاء. وقد تقدّم الكلام في ذلك بتفصيل[١] وقال بعضهم: إنّه تعالى خلّى بينهم وبين القوم ولم يمنعهم من محاربتهم، الأمر الذي يعبّر عنه بإذنه تعالى في الامور، ومن ثمّ جاز أن يقول: بعثنا. كما قال: «أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا».[٢]
١٤٣- «وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا»[٣] قالوا: إنّه يدلّ على أنّه تعالى هو الفاعل لكلّ شيء.
قلنا: إنّه تفصيل لآيات الكون ومظاهره الطبيعية، وهي تجري على سنن ونظم رتيب لاعوج فيه ولا اختلاف.
أمّا مايرجع إلى أفعال الإنسان الاختيارية فهي الآية بعدها: «وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً. اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً».[٤] فلولا أنّه المسؤول عن أفعاله، وأنّه مختار في فعل مايريد وترك مايكره، لما كان لمثل هذا الكلام في مثل هذه اللهجة المهدّدة موضع صحيح.
ولاسيّما وتعقيبها بآية هي أشدّ صراحة في مسؤولية الإنسان ذاته عمّا يرتكبه من أعمال: «مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ. وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا».[٥]
١٤٤- «وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً».[٦]
وقد قامت الأشاعرة حول هذه الآية الكريمة وقعدت وطبّلت وزمّرت، زاعمة صراحتها في أنّه تعالى هو الذي يريد الكفروالفسوق ويأمر بهما لغرض هلاك من يريد إهلاكه ابتداء ومن غير ماسبب مبرّر.[٧]
[١] - راجع« إرادة اللّه الحادثة».
[٢] - مريم ٨٣: ١٩. راجع: متشابه القرآن للقاضي، ج ٢، ص ٤٥٧، نهاية الفقرة: ٤١٦.
[٣] - الإسراء ١٢: ١٧.
[٤] - الإسراء ١٣: ١٧- ١٤.
[٥] - الإسراء ١٥: ١٧.
[٦] - الإسراء ١٦: ١٧.
[٧] - سننقل نصّ كلامهم في تأويل الآية- وفق مذهبهم في الجبر- عن الرازي في تفسيره في التعليق الآتي.