التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٨ - ما الآيه تمسكت الاشاعره بها بالجبر من الله
ويشهد لصحّة هذا المعنى، أنّ الآيات المتقدّمة على هذه الآية جاءت ترغيبا للمؤمنين بالمسارعة إلى مغفرة من ربّهم وجنّة عرضها السماوات والأرض. «أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ».[١] ثمّ تعرّجت إلى امم سالفة «فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ».[٢] ثمّ قفى على آثارهم بعيسى بنمريم، وكان قد جعل اللّه في قلوب الّذين اتّبعوه رأفة ورحمة ورهبانية فما رعوها حقّ رعايتها، «فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ».[٣]
هذا تفصيل لبيان أحوال امم غابرة وحاضرة. ثمّ وجّه نداءه العامّ إلى من آمن واتّقى ووعدهم كفلين من رحمته ونورا يهتدون به في ظلمات الحياة.
قال المفسّرون: هذا الخطاب الأخير يعني المؤمنين من أهل الكتاب خاصّة الّذين آمنوا باللّه ورسوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» بأنبياء سابقين إيمانا صادقا «اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ» الحاضر محمّد صلى الله عليه و آله «يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ» أي نصيبين «مِنْ رَحْمَتِهِ»[٤] نصيبا لإيمانكم السابق القديم، ونصيبا لإيمانكم اللاحق الحديث.
وهذه الزيادة من عنايته تعالى بشأن هؤلاء المؤمنين من أهل الكتاب لدليل واضح على أنّ أبواب رحمته تعالى مفتّحة للراغبين في شمول رضوانه والدخول تحت فضله ولطفه. مهما كانت جنسيّة الطالبين المجاهدين في سبيل لقاءه تعالى.
إذن فكان هذا اللطف والعناية الخاصّة «لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ» ممّن تخلّفوا عن الإيمان برسول الإسلام «أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ». فلا يذهب وهمهم أنّهم قد أيسوا من رحمته، أو أنّ لعنته تعالى شملتهم إلى الأبد، وحالت دون إمكان التوبة والرجوع إلى فضله تعالى ورحمته!! كلّا. فليأخذوا من إيمان إخوانهم الّذين أسلموا دليلًا على إمكان إيمانهم متى شاؤوا ووافقهم التوفيق. «وَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ» من عباده المؤمنين في أيّ وقت وأيّ مكان ومن أيّ جيل أو أيّة طائفة. «وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
[١] - الحديد ٢١: ٥٧.
[٢] - الحديد ٢٦: ٥٧.
[٣] - الحديد ٢٧: ٥٧.
[٤] - الحديد ٢٨: ٥٧.