التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٦ - فتنة سليمان
قاطعة ومن ثمّ استغفر اللّه على بادرته تلك، وإن لم تكن معصية حيث لم يحكم حكم قضاء، وإنّما أبدى رأيه الشخصي إزاء تلك الدعوى على فرض صحّتها تقديرا.
فلم تكن تلك الظاهرة سوى رحمة من اللّه عليه وعناية خاصّة به، تمهيدا لاستخلافه في الأرض، الذي جاء ذكره تعقيبا على الآيات المذكورة «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ».[١]
نعم، قد يكون في التمثيل بالنعاج، خصوصا في تلك النسبة المرتفعة، تنبيه آخر لداود، روي أنّه خطب امرأة وكان قد خطبها أيضا آخرون، فأراد أهلها أن يزوّجوها من داود إجلالا لمقامه الكريم، وهو لايدري بالأمر، فنبّهه اللّه عليه كي لاتدخل عليه شنعة من الناس فيحسبوه متدخّلًا في سوم الآخرين.[٢]
فتنة سليمان
قال تعالى: «وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ».[٣]
ذكروا أنّه قال لأصحابه يوما: سأطوف الليلة على نسائي لتلد كلّ واحدة غلاما يضرب بالسيف في سبيل اللّه، قال ذلك قاطعا بالأمر، فقد تمنّى مالم يكن باستطاعته إلّا أن يشاء اللّه. فأراد اللّه تنبيهه على بادرته تلك، وإن كانت نظرته نصرة الحقّ محضا. فطاف عليهنّ كلّهنّ فلم تحمل منهنّ سوى واحدة وجاءت بسقط ميت.[٤]
هذا هو الصحيح الذي اختاره أصحابنا الإمامية في تفسير الآية. وأمّا ماذكره بعض المفسّرين من امور تمسّ بكرامة الأنبياء وتهين من مقامهم الجليل، فهي- فضلًا عن مخالفتها لأُصول العقيدة ولظاهر القرآن- روايات لا أصل لها ولا سند متّصلًا إلى معصوم.
*** وقال تعالى: «إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ، فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ
[١] - ص ٢٦: ٣٨.
[٢] - انظر: مجمع البيان، الوجه الأوّل، ج ٨، ص ٤٧٢.
[٣] - ص ٣٤: ٣٨.
[٤] - مجمع البيان، ج ٨، ص ٤٧٥.