التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٢ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
الإنسانية الكريمة، في صميم واقعها الأصيل. وإنّها لهي الحياة الحقيقية إذا ماتقبّلتها النفوس واستسلمت لقيادتها الحكيمة. أمّا معاكسة هذا الاتّجاه فيهدّدها خطر الانعطاف إلى تيه الجهل والضلال، وسقوط فاضح عن مقام الإنسانية الرفيعة.
غير أنّ الأشاعرة بالذات أعشى أعينهم بريق هذا المعنى اللّامع فحاولوا تحريفه إلى ما يلتئم ومذهبهم في الجبر. الأمر الذي جعل من الآية غريبة المفاد عمّا اكتنفها من صدر وذيل.
قال الفخر الرازي: يختلف تفسير الآية بحسب اختلاف الناس في الجبر والقدر. أمّا القائلون بالجبر، فقال الواحدي- حكاية عن ابنعباس والضحاك-: يحول بين المرء الكافر وطاعته، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته. فالسعيد من أسعده اللّه، والشقي من أضلّه. والقلوب بيد اللّه يقلّبها كيف يشاء. فإذا أراد الكافر أن يؤمن، واللّه تعالى لايريد إيمانه، يحول بينه وبين قلبه. وإذا أراد المؤمن أن يكفر، واللّه لايريد كفره، حال بينه وبين قلبه.
قال الفخر- تعقيبا على ذلك-: وقد دلّلنا بالبراهين العقلية على صحّة أنّ الأمر كذلك. وذلك لأنّ الأحوال القلبية إمّا العقائد وإمّا الإرادات والدواعي- ثمّ أخذ في الاستدلال على أنّها جميعا خارجة عن اختيار العبد- وقال أخيرا: فتعيّن أن يكون فاعل الاعتقادات والإرادات والدواعي هو اللّه تعالى. قال: فنصّ القرآن دلّ على أنّ أحوال القلوب من اللّه، والدلائل العقلية دلّت على ذلك، فثبت أنّ الحق ما ذكرناه[١] وبهذه السفسطة المفضوحة حاول إثبات مذهب الجبر الأشعري.
ونحن سنبحث عن مسألة «السعادة والشقاء» في فصل قادم. وعمدة ما استند إليه الفخر استدلالًا في هذا المجال، هو نظرية:
«لا اختيارية الإرادة» حسبما تقدّم منهم:[٢] أنّ الإرادة وإن كانت هي الملاك لاختيارية الأفعال الصادرة عن اختيار العباد، غير أنّ الإرادة بذاتها ليست باختيارية، وإلّا لزم سبق إرادة اخرى فتتسلسل! وقد أجبنا عن ذلك
[١] - التفسير الكبير، ج ١٥، ص ١٤٧- ١٤٨.
[٢] - في« اختيارية الإرادة».