التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٦ - العلم الذاتي والعلم الفعلي
الوجود، كلٌّ في صقعه المتناسب.
وهذا الاصطلاح هو المعبّر عنه في مصطلح بعضهم بالعلم القديم والعلم الحادث.
فأثبت له تعالى علمين: علما أزليّا قديما حسب قِدَمِ ذاته المقدّسة، وعلما حادثا يحدث مع حدوث الأشياء ولا مشاحّة في الاصطلاح بعد وضوح المقصود.
قال العلّامة- بصدد بيان نوعي علمه تعالى-: إنّ لكلّ مجرّد علما بذاته، لحضور ذاته المجرّدة عن المادّة لذاته، وليس العلم إلّا حضور شيء لشيء ... فذاته تعالى معلومة لذاته.
كما أنّ ذاته المقدّسة حقيقة الوجود الصرف، البسيط الواحد بالوحدة الحقّة الذي لايداخله نقص ولا عدم. فلا كمال وجوديّا في تفاصيل الخلقة بنظامها الوجوديّ إلّا وهو تعالى واجد له بنحوٍ أعلى وأشرف، غير متميّز بعضها عن بعض، لمكان الصرافة والبساطة.
فكلّ شيء سواه هو معلوم له تعالى في مرتبة ذاته المقدّسة علما تفصيليّا في عين الإجمال، وإجماليّا في عين التفصيل.
وأيضا فإنّ ما سواه من الموجودات منتهية في وجوداتها إليه تعالى، قائمات الذوات به قيام الرابط بالمستقلّ، حاضرات لديه بوجوداتها غير محجوبات عنه.
فالأشياء معلومة له تعالى في مرتبة وجوداتها، علما حضوريا، أمّا المجرَّدة فبأنفسها، وأمّا المادّيّة فبصورها المجرَّدة.
فقد تبيّن بذلك أوّلًا: أنّ للواجب تعالى علما بذاته في مرتبة ذاته، وهو عين ذاته.
وثانيا: أنّ له تعالى علما بما سوى ذاته من المجودات في مرتبة ذاته، وهو المسمّى بالعلم قبل الإيجاد. (وهو العلم الذاتي الأزلي بالأشياء).
وثالثا: أنّ هذا علم إجمالي في عين الكشف التفصيليّ.
ورابعا: أنّ له تعالى علما تفصيليّا بما سوى ذاته من الموجودات في مرتبة ذواتها، خارجا عن الذات المتعالية (أي وراء الذات) وهو العلم بعد الإيجاد. (وهو العلم الفعلي الحادث بحدوث الأشياء فيما لايزال).
وخامسا: أنّ علمه تعالى حضوريّ كيفما صُوّر. (سواء أكان علما بذاته أم بسواها، قبل الإيجاد أو بعده).