التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤١ - معني شقي و سعيد
ظلمات الغيّ يعمهون، ومن ثمّ تمكّن الضلال من قلوبهم فأصمّهم وأعمى أبصارهم فلا يفقهون شيئا ولايعقلون.
١٣٦- «إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ».[١] هذا تيئيس للنبيّ صلى الله عليه و آله وأنّ هؤلاء قد حقّت عليهم الضلالة وبذلك قد سدّوا على أنفسهم المنفذ إلى الهدى «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً».[٢] ونظيرتها قوله تعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ» ممّن فصلته عنك خطيئاته التي أحاطت من كلّ الجوانب- إنّك لاتُسمع الموتى- فلم يستعدّ بنفسه لقبول نصح أو إرشاد «وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي» بتوفيقه وألطافه الخاصّة «مَنْ يَشاءُ»[٣] ممّن استوجبوا لأنفسهم التأييد والتسديد وجاهدوا في اللّه حقّ جهاده.
١٣٧- «وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ».[٤] قالوا: وهذا يدلّ على أنّ الايمان- وهو من أكبر النعم- من عند اللّه.
قلنا: نعم، ولكن لادلالة فيها على أنّه كان بالإلجاء «بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ».[٥] ولم يقل: أنّه ألجأهم على الإيمان من غير أن يكونوا على اختيار في الرفض والقبول.
وقد تقدّم الكلام عن مراحل الهداية، منها مرحلتان تكوينيتان سبقتا مرحلة الهداية التشريعية الواقعة تحت اختيار المكلفين في القبول والامتناع. في حين أنّها بجميع مراحلها نعمة كبرى من عند اللّه العزيز الحكيم.
١٣٨- «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ».[٦] قالوا: وهذا- أيضا- يدلّ على نفي الاستطاعة وأن لا قدرة للعباد على الاختيار.
قلنا: هذا نفي لقدرة تشريعية فيما لم يخوّله مولاه. وليس نفيا لمطلق قدرته على شيء. فهلّا كان العبد المملوكغير قادر على المشي والتكلّم والاختيار والإرادة فيما يخصّ من أفعاله الخاصّة؟!
[١] - النحل ٣٧: ١٦.
[٢] - نوح ٢٥: ٧١.
[٣] - القصص ٥٦: ٢٨.
[٤] - النحل ٥٣: ١٦.
[٥] - الحجرات ١٧: ٤٩.
[٦] - النحل ٧٥: ١٦.