التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨١ - مسألة الاستدراج
غياهب هذه الحياة المغرية، المغرّرة بالمفتتن بها.
إنّ المغترّ بهذه الحياة الدنيا، المعجب بلذائذها السفلى، لايزال يزداد نهما وانهماكا في مطاليب مبتذلة وخسيسة إلى حدّ بعيد. الأمر الذي يزيده ابتعادا عن معالم الإنسانية العليا، وعن الاستقامة على الطريقة المثلى الكريمة.
وقد يبلغ به التيه إلى حيث لا يرعوي وإن بلغ به الجهد مبلغه في العطب والعناء فقد تمكّن الشيطان من نفسه وغلبه هواه وصرعته الخطايا والآثام، الأمر الذي افتقد معه جميع دلائل الحياة،[١] فلا فعّالية له ولا إرادة ولا إدراك ولا إحساس: «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ. وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ (والحال هذه) لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ».[٢]
إذن فلا فائدة في التضييق على مثل هذا الهائم في بيداء الضلال «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ»[٣] فيوفّر اللّه عليه نعمه في هذه الحياة،[٤] فلا يمدّ يدا إلى حاجة إلّا وقد نالها، ولا ينطلق في جهة إلّا وقد وافته الأماني وأقبلت عليه الدّنيا بكلّ زخارفها، فلا يزداد إلّا اغترارا وابتعادا عن رضوانه تعالى فانقلبت نعم اللّه عليه نقما وخذلانا، كما كانت البلايا بالنسبة إلى المؤمن الصالح نعما وألطافا.
قال أبو عبداللّه الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ اللّه إذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ويذكّره الاستغفار. وإذا أراد بعبد شرّا فأذنب ذنبا، أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى بها، وهو قول اللّه عزّوجلّ: «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ». قال: بالنعم عند المعاصي».
وسئل عليه السلام عن الاستدراج، فقال: «هو العبد يذنب الذنب فيملي له ويجدّد له عندها
[١] - تقدّم تفسيرنا لآية الحيلولة: ٢٤ من سورة الأنفال، برقم ٨٠. بهذا المعنى، فقد حالت الخطايا بينهم وبين قلوبهم فلا يكادون يفقهون شيئا.
[٢] - الأنفال ٢٢: ٨- ٢٣.
[٣] - النمل ٨٠: ٢٧.
[٤] - لأنّ في التضييق قد يكون انقلاع عن المعصية ورجوع إلى اللّه بالإنابة إليه، فهو لطف- أحيانا- وتوفيق، يمنعه تعالى عن المتمرّد العنود، حيث العلم بعدم التأثير.