التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٤ - الرؤية
١٠- وأمّا تقييد عموم النفي في قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ»[١] بالرؤية في الدنيا، أو برؤية الكافرين، فهو تأويل قبيح بعد أن كانت الآية إشارة بشأن من شؤون الربّ تعالى و مدحا لائقا بمقام قدسه جلّ ثناؤه. قال تعالى: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ، وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها، وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ».[٢]
انظر إلى هذا الإطراء الجميل بمقام الأُلوهية الكريمة، نوّهت عن صفات ونعوت جليلة كانت صبغتها العموم المطلق، لا الاختصاص بهذه الحياة القصيرة المدى أو باناس دون اناس، الذي يتنافى وكونها صفات جلال وإكرام. هذا، فضلًا عن تذييل الآية بشبه تعليل للنعوت المذكورة: «وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ». إذ اللطيف مقابل الكثيف، لايمكن مسّه ولا النظر إليه، والخبير هو المحيط بخصوصيات الشيء «وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ».[٣] فإذا ماقارنّا هذا التعليل الذي في الذيل، مع تلكم النعوت في صدر الآية، يتّضح جانب عموم تلك الصفات بجلاء، الأمر الذي لايكاد يخفى على ذوي الأذواق الأدبية الدقيقة!
ولابنتيمية هنا محاولة فاشلة، قال: «المراد من الإدراك في الآية هي الرؤية المقيّدة بالإحاطة، ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل لايقال أنّه أدركها، وإنّما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية. قال: ونحن في هذا المقام ليس علينا بيان ذلك، وإنّما ذكرنا هذا بيانا لسند المنع، بل المستدلّ بالآية عليه أن يبيّن أنّ الإدراك في لغة العرب مرادف للرؤية، وأنّ كلّ من رأى شيئا يقال في لغتهم أنّه أدركه، وهذا لاسبيل إليه، كيف وبين لفظ الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص، فقد تقع رؤية بلا إدراك، وقد يقع إدراك بلا رؤية ...».
[١] - الأنعام ١٠٣: ٦.
[٢] - الأنعام ١٠١: ٦- ١٠٤.
[٣] - يونس ٦١: ١٠.