التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦ - هل يعلم التأويل إلا الله؟
الراسخين في العلم بأنّهم يقولون: آمنّا به. وقال في أوّل سورة البقرة: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ».[١] فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل، لما كان لهم في الإيمان به مدح، لأنّ كلّ من عرف شيئا على سبيل التفصيل، فإنّه لابدّ أن يؤمن به. إنّما الرّاسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أنّ اللّه تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، وعلموا أنّ القرآن كلام اللّه تعالى، وعلموا أنّه لا يتكلّم بالباطل والعبث. فإذا سمعوا آية ودلّت الدلائل القطعية على أنّه لا يجوز أن يكون ظاهرها مرادا للّه تعالى، بل مراده منه غير ذلك الظاهر، ثمّ فوّضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه، وقطعوا بأنّ ذلك المعنى- أيّ شيء كان- فهو الحقّ والصواب، فهؤلاء هم الراسخون في العلم باللّه، حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين، عن الإيمان باللّه والجزم بصحّة القرآن».[٢]
قلت: ليس كلّ من عرف الحقّ اعترف به وأذعن له، قال تعالى: «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ».[٣] هذا، والمدح على الإيمان عن بصيرة أولى من المدح على إيمان أعمى. قال الإمام البيضاوي: «مدح الراسخين في العلم بجودة الذهن وحسن النظر، وإشارة إلى ما استعدوا للاهتداء به إلى تأويله، وهو تجرّد العقل عن غواشي الحس».[٤]
والتقييد بالجملة الحالية- هنا- جاء للإشارة إلى نكتة دقيقة، هي: أنّ المتشابه متشابه على كلّ من العالم والجاهل جميعا، سوى أنّ العالم بفضل علمه بمقام حكمته تعالى، يجعل من المتشابه موضع تأمّله ودقيق نظره، وبذلك يتوصّل إلى معرفة تأويله الصحيح في نهاية المطاف.
توضيح ذلك: أنّ الناس تجاه المتشابه ثلاث فرق: فرقة تستريح إلى ظاهره، وهم غالبية العامّة ممّن لا معرفة له باصول معارف الإسلام الجليلة، وفرقة تعمد إلى المتشابه
[١] - البقرة ٢٦: ٢.
[٢] - التفسير الكبير، ج ٧، ص ١٧٧.
[٣] - النحل ٨٣: ١٦.
[٤] - تفسير البيضاوي، ج ٢، ص ٥.