التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٩ - معني شقي و سعيد
وأين هذا من أفعال العباد، فضلًا عن الآثام التي يرتكبونها، ممّا قد نهى اللّه؟! كيف يجبرهم على المعصية وهو ينهاهم عنها ويعاقبهم عليها، إنّها نقمة لاتناسب بينها وبين فحوى الآية التي هي بصدد تعداد نعمه تعالى على الإنسان.
١٢٩- «قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ».[١] تقدّم الكلام فينظيرتها من سورة الأعراف: ١٦.
وكأنّ الإغواء- إنْ صح التعبير- بمعنى الخذلان وعدم المزيد من عنايته الخاصّة. وإلّا فكيف التوفيق بينه وبين ذمّه تعالى لإبليس في امتناعه عن السجود لآدم واستكباره عن أمر ربّه؟!
١٣٠- «وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ، إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ».[٢] تلك مثوبة رحمانية تطهّر قلوبهم عن أدران منافسات دنيوية لامجال لها في دار الآخرة «وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً».[٣]
١٣١- «إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ».[٤] أي علمنا في الأزل أنّها من الباقين الهالكين، فهو إخبار عن واقع قبل وقوعه، وليس قضاء عليها بالجبر رغم إرادتها، بدليل آيات غيرها كان التعبير فيها مجرّد إخبار عن واقعية مرّة «فَأَنْجَيْناهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ»[٥] «لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ».[٦] «إِذْ نَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ».[٧] نعم جاء التعبير في سورة النمل: ٥٧ بمثل التعبير في سورة الحجر.
١٣٢- «وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ».[٨] أي أعلمنا وأخبرناه به. ويطلق القضاء على الإخبار بالحتم، لأنّه في اللغة بمعنى الفراغ من الشيء والبلوغ نهايته. فناسب إطلاقه على كلّ أمر قاطع للشكّ، كالخبر الحتم، أو رافع للنزاع، كحكم القاضي العدل. ومن ثمّ يطلق على انقضاء الأجل بالموت أيضا. وقد جاء جميع هذه الاستعمالات في القرآن بكثير.
[١] - الحجر ٣٩: ١٥.
[٢] - الحجر ٤٧: ١٥.
[٣] - الإنسان ١٢: ٧٦.
[٤] - الحجر ٦٠: ١٥.
[٥] - الأعراف ٨٣: ٧.
[٦] - العنكبوت ٣٢: ٢٩.
[٧] - الصافات ١٣٤: ٣٧- ١٣٥.
[٨] - الحجر ٦٦: ١٥.