التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٣ - مسألة الأمر بين الأمرين
وتصريحات كثيرة، ممّا جعل مذهب الإمامية طريقا وسطا بين المسلكين لاجبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين.[١]
هذه المسألة مرتبطة مع عدّة مسائل متشابكة مع بعضها، يصعب التوفيق بينها غالبيا، إلّا من عصم اللّه، وأجاد التفكير فيما أُثر عن أهل بيت العصمة عليهمالسلام منها: مسألة «التوحيد المطلق». ومسألة «العدل المطلق». ومسألة «الحكمة في التكليف». ومسألة «الحسن والقبح العقليَّين». ومسألة «استحقاق الثواب والعقاب». إلى غيرها من مسائل مشابهة.
وقد احتار القوم في التخرّج عن هذه المسائل جميعا بما لايستلزم تناقضا أو معارضة مع بعضها. في وئام ووفاق بسلام. ومن ثمّ أخذوا يمنة ويسرة، في اعتراف ببعض ونكران لبعض، بما ازدادوا شكّا في ريب.
أمّا الأشاعرة فزعمت أنّها أخذت بجانب مسألة التوحيد المطلق، وقالت: لاخالق إلّا اللّه، ولا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه، ومن ثمّ نفت صحّة استناد الأفعال إلى العباد. وأسندتها إلى اللّه. فلزمها القول بالجبر، وأنّ العباد مضطرّون فيما يفعلون، وبذلك خسرت مسألة العدل المطلق، وأنكرت الحكمة في التكليف، ولم تدع مجالًا لمسألة الحسن والقبح العقليَّين ولا لمسألة استحقاق المثوبة والجزاء.
وأمّا المعتزلة فأسندت الأفعال إلى العباد بصورة مطلقة، وقالت: إنّهم مختارون في فعل مايريدون وترك مايكرهون. تحكيما لمسألة العدل المطلق، ومسألة الحسن والقبح والثواب والعقاب، وتحقيقا لمسألة الحكمة في التكليف وبعث الرسل وإنزال الكتب ... لكنّهم أسرفوا في القول بالاستطاعة المطلقة، حتّى نفوا كلّ تأثير لإرادة اللّه وحوله وقوّته في أفعال العباد، ومن ثمّ لزمهم القول بالتفويض، وأنّ العباد هم المحدثون لأفعالهم باختيارهم وإرادتهم وقدرتهم الخاصّة. وأنّ القدرة وإن كانت منحةمن اللّه منحها لعباده، لكن إعمال هذه القدرة وتأثيرها في الإيجاد والإحداث منوطة كلّ الإناطة باختيارهم
[١] - بهكذا لفظ ورد مستفيظا عن أئمّة الهدى عليهمالسلام. راجع: الكافي، ج ١، ص ١٦٠، حديث ١٣، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين. وكذا باب الاستطاعة؛ وراجع: بحار الأنوار، باب نفي الظلم والجور عنه تعالى وإبطال الجبر والتفويض، وإثبات الأمر بين الأمرين وإثبات الاختيار والاستطاعة، ج ٥، ص ٢- ٦٧.