التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٩ - معني شقي و سعيد
تذهب بمواقع الإبهام من هذا الكلام.
ولعلّ ما ذكره الشريف المرتضى بهذا الصدد أجمع وأوفى من الجميع، فقد ذكر في تأويل الآية وجوها أربعة. كلّ منها يبطل الشبه الداخلة على المبطلين فيها، ممّن عدلوا بتأويلها عن وجهه، وصرفوه عن بابه- على حدّ تعبيره- وإليك:-
أوّلها: أنّ الهلاك قد يكون حسنا وقد يكون قبيحا، فإذا كان مستحقّا أو على سبيل الامتحان كان حسنا. وإنّما يكون قبيحا إذاكان ظلما، فتعلّق الإرادة به لايقتضي تعلّقها به على الوجه القبيح، ولا ظاهر الآية يقتضي ذلك. وإذا علمنا بالأدلّة تنزّه القديم تعالى عن القبائح، علمنا أنّ الإرادة لم تتعلّق إلّا بالإهلاك الحسن. وقوله تعالى: «أَمَرْنا مُتْرَفِيها» المأمور به محذوف، وليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق. وإن وقع بعده الفسق، ويجري هذا مجرى قول القائل: أمرته فعصى، ودعوته فأبى. والمراد:
أنّني أمرته بالطاعة، ودعوته إلى الإجابة والقبول.
قال: ويمكن أن يقال على هذا الوجه: ليس موضع الشبهة ما تكلّمتم عليه، وإنّما موضعها أن يقال: أيّ معنى لتقدّم الإرادة؟ فإن كانت متعلّقة بإهلاك مستحقّ بغير الفسق المذكور في الآية، فلا معنى لقوله تعالى: إذا أردنا أمرنا، لأنّ أمره بما يأمر به لا يحسّن إرادته للعقاب المستحقّ بما تقدّم من الأفعال. وإن كانت الإرادة متعلّقة بالإهلاك المستحقّ بمخالفة الأمر المذكور في الآية، فهذا الذي تأبونه، لأنّه يقتضي أنّه تعالى مريد لإهلاك من لم يستحقّ العقاب!
والجواب عن ذلك: أنّه تعالى لم يعلّق الإرادة إلّا بإهلاك المستحقّ بما تقدّم من الذّنوب، والذي حسن قوله تعالى: وإذا أردنا أمرنا ... هو أنّ في تكرار الأمر بالطاعة والإيمان إعذارا إلى العصاة، وإنذارا لهم، وإيجابا وإثباتا للحجّة عليهم حتّى يكونوا متى خالفوا وأقاموا على العصيان والطغيان بعد تكرار الوعيد والوعظ والإنذار، ممّن يحقّ عليه القول، وتجب عليه الحجّة.
ويشهد بصحّة هذا التأويل قوله تعالى- قبل هذه الآية-: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا».