التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٣ - ما الآيه تمسكت الاشاعره بها بالجبر من الله
الحكم التشريعي، بدليل التخلّف.
١٤٧- «وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً».[١] قالوا: إنها تدل على أنه تعالى هو منع الكفار من الإيمان.
قلنا: الآية الكريمة خصّت اولئك الّذين مردوا على الكفر والعصيان فلا يؤمنون أبدا، بهذا الحجاب، وهو حجاب القسوة والجفاء والتعامي عن معاينة الحقّ «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً».[٢]
وإنّما هم أوجدوا هذا الحجاب وعملوا في تغليظه والمزيد من تكاثفه على أثر مبالغتهم في ارتكاب الخطايا والآثام، فأبعدتهم عن رحمة اللّه الواسعة. فقوله: «جَعَلْنا ...» أي كان بينك وبينهم حجاب. كما في قوله- بعد هذه الآية-: «وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً»[٣] وقوله: «وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ»[٤] وإنما ينسبه تعالى إلى نفسه، لأنه هو الذي منح القوى و جعل لهم الاختيار في الرفض و الإيمان، و أقدرهم على العمل، إن خيرا و إن شرا، حسبما تقدم.
١٤٨- «فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا».[٥] قالوا: هذا صريح في نفي استطاعة العبيد.
قلنا: عدم الاهتداء إلى السبيل- في الآية- مترتّب على الضلال. فإنّهم بفعل خطيئاتهم وعصيان تعاليم الرّسول صلى الله عليه و آله ضلّوا السبيل أوّلًا، فلم يستطيعوا بعد ذلك من الاهتداء إلى الطريق.
[ما الآيه تمسكت الاشاعره بها بالجبر من الله]
١٤٩- «وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا».[٦]
تمسّكت الأشاعرة بهذه الآية تدليلًا على أنّ ثبات المطيع على الطاعة إنّما هو بفعل اللّه، ولولاه لم يكد يثبت كما كان لم يؤمن.
قلنا: ثلاث آيات (٧٣ و ٧٤ و ٧٥) نزلن بشأن مشركي قريش، عرضوا على النبيّ صلى الله عليه و آله مسالمته مع آلهتهم فلا يذكرهم بسوء، فيتوافقوا معه ولا ينابذوه في دعوته.
[١] - الإسراء ٤٥: ١٧.
[٢] - المائدة ١٣: ٥.
[٣] - الإسراء ٤٦: ١٧.
[٤] - فصّلت ٥: ٤١.
[٥] - الإسراء ٤٨: ١٧.
[٦] - الإسراء ٧٤: ١٧.