التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٦ - مسألة القضاء والقدر
مسألة القضاء والقدر
من المسائل الكلامية العويصة هي مسألة «القضاء والقدر». واختلفت فيها أنظار أرباب الكلام من ذوي المشارب المختلفة في الجبر والاختيار. وقد أخذت الأشاعرة- بالذات- في هذه المسألة طريقها إلى الجبر المحض، وزعموا من القضاء والقدر هو الحتم والإلجاء. ومن ثمّ أسندوا أفعال العباد كلّها خيرها وشرّها، صلاحها وفسادها حتّى الإيمان والكفر، والإطاعة والعصيان، إلى اللّه سبحانه وأنّه الفاعل لها حقيقة وإن كان المباشر في الظاهر هم العباد أنفسهم. ولذلك صحّت تسميتهم بالقدرية انطباقا عليهم بالحديث المأثور عن النبيّ صلى الله عليه و آله قال: «لعن اللّه القدرية على لسان سبعين نبيا، قيل: من القدرية، يا رسول اللّه؟ قال: الّذين يعصون اللّه تعالى، ويقولون: كان ذلك بقضاء اللّه وقدره».[١]
والإيمان بالقدر بهذا المعنى الباطل، هي عقيدة عربيّة جاهليّة امتدّت حتّى ما بعد ازدهار الإسلام، ورغم مكافحة النبيّ صلى الله عليه و آله والأئمّة الهداة من بعده لهذه العقيدة الجاهلية الاولى. قال الإمام الحسن بنعلي عليه السلام: «بعث اللّه محمّدا إلى العرب وهم قدرية يحملون ذنوبهم على اللّه تعالى».[٢] ودليلًا على ذلك قولة المشركين: «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ».[٣] ومن ثمّ كذّبهم اللّه في هذه العقيدة الفاسدة المخالفة لصريح الوجدان، قال تعالى- تعقيبا على قولتهم تلك-: «كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ».
والغريب أنّ الأشاعرة استسلمت قيادتها- بكلّ جرأة وصراحة- لهذه العقيدة المنافية للفطرة ولتعاليم الإسلام النزيهة! قال إمامهم المتفلسف: «إعلم أنّ أفعال العباد امور ممكنة الوجود. والممكن لايترجّح وجوده على عدمه إلّا بسبب». ثمّ أخذ في
[١] - راجع: شرح الاصول الخمسة، ص ٧٧٥.
[٢] - راجع: اللطائف الغيبية للمير أحمد العلوي تلميذ المير محمد باقر داماد، ص ٢٠١.
[٣] - الأنعام ١٤٨: ٦.