التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨١ - الرؤية
صحابته، وهم منها براء. وإنّما أولع بها أصحاب الحديث من الحشوية، حسبما تقدّم.[١]
نعم تستّرت الأشعرية بسفسفة اخرى، اتخذوها شعارا لمذهبهم، فقالوا: إنّه تعالى يُرى بلا كيف، وله وجه بلا كيف، وله يد بلا كيف، وهلمّ جرّا وحاولوا بذلك الفرار عمّا يوجّه إليهم من اعتراض: كيف يرى؟ وهل تكون رؤيته تعالى كرؤية بعضنا بعضا؟ أرادوا بذلك إلجاءهم إلى محاذير التجسيم والجهة والإشارة. فقالوا: لايسأل بكيف. ومن ثمّ هجاهم المعتزلة بأنّه قول بلا علم، ورواية بلا دراية، قال الزمخشري: ثمّ تعجّبٌ من المتّسمين بالإسلام، المتّسمين بأهل السنّة والجماعة (يعني بهم الأشاعرة) كيف اتّخذوا هذه العظيمة (جواز النظر إليه تعالى) مذهبا، ولا يغرّنك تستّرهم بالبلكفة[٢] فإنّه من منصوبات أشياخهم (أي حبائلهم المغرية). والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
|
وجماعة سمّوا هواهم سنّة |
لَجماعةٌ حُمُر لعمري موكفة[٣] |
|
|
قد شبّهوه بخَلقه وتخوّفوا |
شنع الورى فتستّروا بالبلكفة[٤] |
|
أمّا أهل العدل والتنزيه فكانت نظرتهم في توحيد اللّه نظرة في غاية السموّ والرفعة، فطبّقوا قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»[٥] أبدع تطبيق وبيّنوه أحسن بيان، وحاربوا الأنظار الوضعية التي تُثبت للّه تعالى جسما، له وجه ويدان وعينان، وله جهة هي الفوقيّة وأنّ له عرشا يستوي عليه، وأنّه يُرى بالأبصار، وأنّه خلق آدم بيده، إلى آخر ما قالته الأشاعرة وأذنابهم من المشبّهة والكرّامية- حسبما تقدّم- فأتى أهل العدل وسَمَوْا على هذه الأنظار، وفهموا من روح القرآن تجريد اللّه عن المادية، فساروا في تفسيرها تفسيرا دقيقا واسعا، وأوّلوا ما يخالف هذا المبدأ، وسلسلوا عقائدهم تسلسلًا منطقيا. فإذا كان اللّه تعالى ليس مادة، ولا مركّبا من مادة، فليس له يدان ولا وجه ولا عينان، لأنّ ذلك يدلّ على جزء من
[١] - راجع: جامع البيان، ج ١١، ص ٧٣- ٧٥؛ والدرّ المنثور، ج ٣، ص ٣٠٥- ٣٠٧.
[٢] - البلكفة: مخفّف« بلا كيف» مصدر جعلي. كالحوقلة والبسملة.
[٣] - الوكاف: البرذعة وهو ما يلقى على ظهر الدابة.
[٤] - راجع: الكشاف، ج ٢، ص ١٥٦، ذيل الآية ١٤٣ من سورة الأعراف.
[٥] - الشورى ١١: ٤٢.