التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٣ - الفوقية
المحذوف في قوله: «فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ».[١] وقوله: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ».[٢] ونظائر ذلك في الإضمار في آية والإظهار في اخرى كثيرة في القرآن، كما في آية الأنعام «أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ»[٣] وآية النحل «أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ».[٤] وكما في آية الزمر: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها»[٥] وآية السجدة: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ».[٦] ولكن أنّى لذوي الأفهام المتحجّرة في إطار «الدعوة السلفية» من إدراك فنون كلام اللّه البديعة!
١٤- وقوله: «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى»[٧] الضمير يعود إلى جبرائيل المعبّر عنه قبل الآية بقوله: «عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى، وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى، ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فَأَوْحى- أي جبرائيل بما حمله اللّه أو اللّه برسالة جبرائيل- إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى»[٨] وقد تقدّم شرحه.[٩]
وعلى تقدير عود الضمير إلى اللّه، فالمقصود من هذا الدنوّ هو قرب الشرف ودنوّ الكرامة لديه تعالى، لا القرب المكاني المحدود بالجهات.
١٥- وقوله: «أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا»[١٠] لايدلّ على أنّه تعالى منحاز عن خلقه انحيازا بالمكان والجهة ليكون هو في جهة أو بقعة والخلق في جهة وفي رقعة اخرى من هذا العالم الفسيح، كلّا، بل هو حجاب ذاتي لما بين الواجب تعالى وعامّة الممكنات من بينونة ذاتية، لاسنخية بينهما ولاتجانس. ذاك كمال مطلق في علوّ العزّ وشرف الغنى والاقتدار، وهذا غاية في النقص والعجز والافتقار. وتقدّم أنّ الحجاب- هنا- حجاب معنوي، لبعد الفاصلة بين كمال الواجب ونقص الممكن.
[١] - غافر ٧٨: ٤٠.
[٢] - النحل ٣٣: ١٦.
[٣] - الأنعام ١٥٨: ٦.
[٤] - النحل ٣٣: ١٦.
[٥] - الزمر ٤٢: ٣٩.
[٦] - السجدة ١١: ٣٢.
[٧] - النجم ٨: ٥٣.
[٨] - النجم ٥: ٥٣- ١٠.
[٩] - في الجزء الأوّل،« نزول جبرائيل».
[١٠] - الشورى ٥١: ٤٢.