التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢١ - آراء الثمانيه في تفسير آيه ٤٢ من سوره الانفال
اضطراره فإنّ لها انتسابا آخر إليه تعالى لتصرّفه بالتوفيق أو الخذلان وسائر أنواع التربية الإلهية، وإن كانت تبعاتها متوجّهة إلى الإنسان ذاته «وَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ».[١] «لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».[٢]
فمن الجهل أن يثق الإنسان بما يجده في قلبه من إيمان حقّ أو نيّة حسنة أو همّة إلى صلاح وتقوى، بأن يرى استقلاله بملك قلبه وقدرته الخاصّة على التصرّف كيف يشاء. فإنّ القلب بين اصبعين من أصابع الرحمان يصرفه كيف يشاء. وهو المالك له حقيقة والمحيط به إحاطة «وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ».[٣]
فأجدر بهذا الإنسان أن يؤمن بالحقّ، ويعزم على الخير، ويلتزم الرشد لكن على مخافة منه تعالى أن يصرف قلبه من سعادة إليشقاء، أو يحوّله من استقامة إلى انحراف، فلا يأمن مكر اللّه، إذ لايأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون.
قال: وكذلك إذا وجد إنسان من نفسه الاشمئزاز والنفرة عن قبول كلمة الحق أو رفض الخير والأعمال الصالحة، فعليه أن يبادر إلى استجابة اللّه ورسوله في الدعوة إلى مايحيي القلوب، لأنّه بهذه الحالة آخذ في موت قلبه، فلا يستسلم لقيادة اليأس والقنوط. إنّه تعالى قادر على أن يحوّل حاله إلى أحسن الحال، فإنّ رحمة اللّه واسعة والأمر إليه «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ».[٤] «وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ».[٥]
قال: فالآية الكريمة- كما ترى- من أجمع الآيات القرآنية شمولًا لُاصول معارف إلهية حقيقية، جمعتها مسألة «الحيلولة». إنّها تقطع عذر المتكاسل عن معرفة اللّه جلّت براهينه، من جذوره. وتقلع غرّة النفاق من اصولها. وتنير على المسلمين الّذين هم في طريق الإيمان الصادق، دربهم إلى فهم حقيقة الأمر بين الأمرين، لا استقلال بالذات ولا إلجاء. ومن ثمّ فهم واقعون بين خوف ورجاء، فلا إعجاب ولا غرور ولا يأس ولا قنوط.
قال: وبذلك نستطيع الجمع بين أقوال المفسّرين التي هي بحسب ظاهرها متخالفة في
[١] - الرعد ٤١: ١٣.
[٢] - التغابن ١: ٦٤.
[٣] - الأنعام ١١٠: ٦.
[٤] - يوسف ٨٧: ١٢.
[٥] - الحجر ٥٦: ١٥.