التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩١ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
مغبّة لجاجهم في الجموح. بدليل ما بعده من قوله: «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ».[١] إذ لايصحّ هذا الوصف إلّا إذا كانوا هم اختاروا الضلالة على الهدى، وإلّا فلو كان ذلك من فعل غيرهم لم يجز إطلاق لفظ «الاشتراء» هنا، كما لايخفى.
وأمّا نسبة الاستهزاء إليه تعالى فهي معاكسة طبيعية كانت على أثر تقصيرهم في العمل الإنساني، حيث المنافق- في سلوكه المزدوج- يستهدف مصالح يبتغيها وراء أعماله الإجرامية، ويظن أنّه يبلغها في ستار نفاقه المراوغ. غير أنّ الواقعية تعاكسه في كلّ مايبتغيه من أهداف، وتفضحه بين حين وآخر في سلوكه ذلك المزدوج الخبيث غير الإنساني، فضلًا عن عيشته تلك القلقة المضطربة «يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ».[٢]
إذن فسلوك المنافق المزدوج هو الذي جلب على نفسه الفشل ودوام الاضطراب في عيشة غير هنيئة، الأمر الذي جعله سخرية الواقع وموضع استهزاء عارم. إنّها واقعيّة مرّة يجابهها المنافق مغبّة خطئة في السلوك.
٧- «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ»[٣] يدلّ على أنّهم ممنوعين من الإيمان.
والجواب: أنّه مبالغة وتشبيه، لأنّهم لمّا لم ينتفعوا بهذه الحواس صاروا كأنّهم فاقدين لها، كما في قوله تعالى: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ».[٤] وقال الشاعر:
|
لقد أسمعت لو ناديت حيا |
ولكن لاحياة لمن تنادي |
|
٨- «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً»[٥] هلّا يدلّ على أنّ الإضلال من فعله تعالى؟
والجواب: أنّ هذا من كلام اولئك الذين كفروا، ومن ثمّ جاءهم الردّ والاستنكار على هذا الكلام: «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ».
أي لاينحرف بالأمثال التي يضربها اللّه، إلّا الَّذين في قلوبهم مرض، فهم الذين تضجرهم الأمثال، حيث إنّها تفضحهم وتنهكم من موقفهم الشانيء. فمعنى الإضلال على ذلك: إنّه يزيد في عتوّهم وغيظا في صدور.
[١] - البقرة ١٦: ٢.
[٢] - المنافقون ٤: ٦٣.
[٣] - البقرة ١٨: ٢.
[٤] - النمل ٨٠: ٢٧.
[٥] - البقرة ٢٦: ٢.