التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٥ - البداء في كفة الميزان(موضعه من صفاته تعالى الجمال والجلال)
الخامس: أنّ المراد كفّه تعالى عن تعذيبهم في الآخرة إلّا بقدر ما عبدوا العجل.[١]
*** قلت: كلّ هذا تكلّف وتأويل بعيد عن مساق الآية الكريمة.
إنّ غلّ اليد وإن كان تصحّ الكناية به عن البخل أو الفقر المُدقع، كما أنّ بسطها يكون حينذاك كناية عن السخاء في الإنفاق. على ما ورد في قوله تعالى: «وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ».[٢]
إلّا أنّه لا دليل في ذلك على الانحصار، فإنّ إيفاء هذين التعبيرين لمعنى العجز والاقتدار أيضا شايع الاستعمال. بل لعلّه الأصل في إرادة البخل والسخاء، كأنّ البخيل قيّد يديه فأعجز نفسه. أمّا السخيّ فمبسوط اليدين ينفق كيف يشاء.
وفي الآية (٦٤ المائدة) شهادة صريحة على إرادة قيد العجز ضدّ الاقتدار، بدليل الدعاء عليهم: «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ...». إذ ليس المراد رجاء أن يبخلوا، بل أن يُسلَبوا القدرة على أيّ شيء.
قال الراغب: «وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ» ذمّوه بالبخل. وقيل إنّهم لمّا سمعوا أنّ اللّه قد قضى كلَّ شيء، قالوا: إذن يد اللّه مغلولة أي في حكم المقيّد، لكونها فارغة.
قال علي بنإبراهيم- في تفسير الآية-: قالوا: قد فرغ اللّه من الأمر. لايحدث اللّه غير ما قدّره في التقدير الأوّل، فردّ اللّه عليهم، وأنّه تعالى يقدّم ويؤخّر ويزيد وينقص وله البداء والمشيئة.[٣]
وروى الشيخ- في أماليه- بإسناده المتّصل إلى هشام بنسالم عن أبي عبداللّه الصادق عليه السلام في قوله تعالى: «وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ» قال: كانوا يقولون: قد فرغ من
[١] - التفسير الكبير، ج ١٢، ص ٤٠- ٤١.
[٢] - الإسراء ٢٩: ١٧.
[٣] - تفسير القمي، ج ١، ص ١٧١. وراجع: البحار، ج ٤، ص ٩٨، رقم ٦. وهكذا روى العياشي عن حماد عن الصادق عليه السلام.
البحار، ج ٤، ص ١١٧، رقم ٤٩.