التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٥ - مسألة الأمر بين الأمرين
ذات وجودها وفي بقاءها على التأثير رهن قدرته وإرادته تعالى، ومن ثمّ فإنّ نسبة الإنبات والزرع والإثمار وما شاكل إليه تعالى، أولى من نسبتها إلى ذلك الإنسان الذي لم يكن حظّه منها سوى تقارب وتألّف بين عدّة عوامل قليلة لتتفاعل هي بنفسها مع البعض، وتستمدّ من قوى اخرى كثيرة أودعها اللّه في هذا الكون.
قال تعالى: «أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ، أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ». وقال: «أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ». وقال: «أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ. نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَ مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ».[١]
وأوضح مثال لذلك هي ظاهرة الولادة، لم يكن حظّ الوالد والوالدة من تكوين الولد، سوى تلقيح النطفة، وليس تحقّقه- أيضا- واقعا تحت اختيارهما الكامل وقدرتهما، ومع ذلك فإنّ الولد في وجوده منسوب إلى والديه، في حين أنّ جميع العوامل التي أثّرت في اللقاح والانعقاد وقضاء المراحل الجنينية إلى مرحلة التولّد، كانت طبيعة مودعة في ذات الرحم والنطفة بقدرة اللّه، وبإرادته في أصل التأثير والبقاء على التأثير. قال تعالى: «أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ، أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ».[٢]
والخلاصة: أنّ مايوجد ويتحقّق في عالم الوجود، إنّما يوجد بفضل تفاعل القوى المودعة في هذا الكون، وأنّ حظّ الإنسان منذلك هو مجرّد تقارب مابين هذه القوى لتتفاعل هي مع بعضها. وبعبارة أوجز: أنّ الإنسان إنّما يوجد شرط التفاعل أمّا أصل الإيجاد فهو من فعل العوامل والقوى الطبيعية، وهي بدورها مجعولة ومنتظمة بإرادة اللّه وحوله وقوّته أبديّا.
وبذلك نستطيع أن ندرك وجه انتساب الأفعال الاختيارية إلى فاعليها، في حين صحّة انتسابها إلى اللّه وإلى القوى الطبيعية التي أودعها اللّه في هذا الكون.
أمّا وجه انتسابها إلى العباد، فلأنّهم هم أوجدوا شرائط وجودها باختيارهم وقصدهم الخاصّ، ولولا ذلك لما وجدت. فإنّ الزارع إنّما عمد إلى الحرث والزرع بمحاولته الخاصّة
[١] - الواقعة ٦٣: ٥٦- ٧٣.
[٢] - الواقعة ٥٨: ٥٦- ٥٩.