التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٢ - فرضية الإحباط في خطوات
نعم اختلفوا في أنّ التوبة بذاتها تسقط العقاب أم لمزيّة ثوابها على عقاب المعصية التي ارتكبها؟ كما اختلفوا- أيضا- في أنّ سقوط العقاب بالتوبة تفضّل أم ذاتي واجب؟
لكن لا تأثير- عمليا- لأمثال هذه المباحث، بعد ثبوت أصل الإسقاط وإن كان بحث عنها كبار أئمّة علم الكلام أمثال المحقّق نصيرالدين الطوسي[١] والقاضي عبدالجبّار[٢] وغيرهما من العلماء. وللبحث عن شروط التوبة وآدابها مجال آخر.
٣- الإحباط- بمعنى محق الحسنات بسيّئة لاحقة- باطل عندنا[٣] إذ لا دليل عليه لامن العقل ولا من النقل، فضلًا عن مخالفته لعموم الكتاب والسنّة، ومنافاته لُاصول العدل والحكمة في باب المجازاة:
أوّلًا: إذا كنّا نقول في باب المجازاة بالاستحقاق- كما عليه العدلية- فما الذي دعا بسقوط مثوبات كان يستحقّها المحسن إزاء أعماله الحسنة، بمجرّد سيّئة ارتكبها، لغلبة شهوة أو شرائط اخر وافته في ذلك، من غير أن يكون قد طغى على مولاه ولا قاطعا لأواصر العبودية التي كانت تربطه مع مولاه؟!
نعم لو كنّا نقول بأنّ المؤمن إذا عصى خرج عن الإيمان- كما يقوله المعتزلة ويثبتون له منزلة بين المنزلتين- لكان لهذا الاحتمال الباطل مجال، لكنّا رفضنا هذا الرأي، وأنّ الفاسق- عندنا- باق على إيمانه ما لميجحد أو ينكر الرسالة. ومن ثمّ فهو كما يستحقّ مذمّة وعقابا على معصيته، كذلك يستحقّ مدحا وثوابا على ثباته على الإيمان وسائر أعماله الصالحة. ولا تنافي بين الأمرين- حسبما تقدّم- فيعاقب عقابا منقطعا ثمّ يثاب على الحسنات، إذا لم يشمله الغفران من أوّل الأمر.
ثانيا: معنى تقييد المثوبات واشتراطها بعدم لحوق سيّئة أبدا، هو اشتراط العصمة
[١] - انظر: تجريد الاعتقاد، ص ٢٣٩- ٢٤٠.
[٢] - انظر: شرح الأصول الخمسة، ص ٧٩٠ فما بعد.
[٣] - قال العلامة المجلسي: المشهور بين متكلّمي الإمامية بطلان الإحباط والتكفير، بل قالوا باشتراط الثواب والعقاب بالموافاة. قال: وذهبت المعتزلة إلى ثبوتهما. بحار الأنوار، ج ٥، ص ٣٣٢.