التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠ - معاني التأويل الأربعة
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ».[١] فهذه الآيات تدلّ على أنّ القرآن النازل كان عند اللّه أمرا أعلى وأحكم من أن تناله العقول أو يعرضه التقطّع والتفصيل، لكنّه تعالى عناية بعباده جعله كتابا مقروءً وألبسه لباس العربية، لعلّهم يعقلون ما لم يكن لهم سبيل إلى تعقّله ومعرفته مادام في امّ الكتاب. قال تعالى: «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ»[٢] فالإحكام هو كونه عند اللّه لا ثلمة فيه ولا تفصيل، والتفصيل هو جعله فصلًا فصلًا وآيةً آيةً وتنزيله على النبيّ صلى الله عليه و آله.[٣]
ولعلّ ما زعمه ابنتيميّة ناجم عن خلط أمر المصداق بأمر التأويل، إذ لم يعهد إطلاق اسم «التأويل» على الوجود العيني، وإنّما يطلق عليه اسم «المصداق» حسب مصطلح الفن. فإنّ كلّ لفظة لها مفهوم هو ما يتصوّره الذهن من دلالة ذلك اللفظ. ولها مصداق هو ما ينطبق عليه ذلك المفهوم خارجا، كالتفّاحة لها مفهوم هو وجودها التصوّريّ الذهنيّ، ولها مصداق هو وجودها العينيّ الخارجيّ، ذو الآثار والخواص الطبيعيّة، ولم يعهد إطلاق اسم التأويل على هذا الوجود العيني للتفّاحة أصلًا.
ومنشأ الاشتباه أخذ التأويل من أصل اشتقاقه اللغوي بمعنى «مآل الأمر» أي ما يؤول إليه أمر الشيء كما في قوله تعالى: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ».[٤] أي ينتظر هؤلاء لينظروا إلى ما يؤول أمر هذا الدين ... ويوشك أن يأتي اليوم الذي ينتظرونه، غير أنّ الفرصة قد فاتتهم ولات الساعة ساعة مندم.
أمّا رأي سيّدنا الطباطبائي فلا يعدو توجيها لطيفا لتلك المزعومة وتعديلًا لها بعض الشيء وتبدو غريبة جدّا! وقبل أن نتكلّم في وجه تفنيدها يجب أن نعرف أن ليس اللّوح المحفوظ شيئا ذا وجود بذاته، كوعاء أو لوحة أو مكان خاصّ، مادّيا أو معنويّا، كلّا، وإنّما
[١] - الزخرف ٣: ٤٣- ٤.
[٢] - هود ١: ١١.
[٣] - راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج ٣، صفحات ٢٥ و ٤٥ و ٤٩ و ٥٤ و ٥٥.
[٤] - الأعراف ٥٣: ٧.