التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨١ - البداء في كفة الميزان(موضعه من صفاته تعالى الجمال والجلال)
كتب في اللّوح المحفوظ لا يتغيّر حكمه، فهو كناية عن الفراغ من الكتابة، لأنّ الصحيفة حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها وكذلك القلم، فإذا انتهت الكتابة جفّت الكتابة والقلم.
وفيه إشارة إلى أنّ كتابة ذلك انقضت من أمد بعيد.
وقال- في مفتتح الباب نقلًا عن السمعاني-: القَدَرُ سرٌّ من أسرار اللّه تعالى، اختصّ العليم الخبير به وضرب دونه الأستار وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، فلم يعلمه نبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقرّب.[١]
ثمّ قال: وأخرج مسلم من طريق طاووس: أدركت ناسا من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقولون: كلّ شيء بقَدَر. وسمعت عبداللّه بنعُمَر يقول: قال رسول اللّه: كلّ شيء بقدر حتّى العجز والكيس.[٢]
قال ابنحجر: ومعناه أنّ كلّ شيء لايقع في الوجود إلّا وقد سبق به علم اللّه ومشيئته.
قال: وهذا الذي ذكره طاووس، مطابق لقوله تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ».[٣] فإنّ هذه الآية نصّ في أنّ اللّه خالق كلّ شيء ومُقدّره، وهو أنصّ من قوله تعالى: «خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ».[٤] وقوله تعالى: «وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ».[٥]
قال: واشتهرت في ألسنة السَلَف والخَلَف أنّ هذه الآية نزلت في القَدَريّة، أخرج مسلم من حديث أبيهريرة: جاء مشركوا قريش يخاصمون النبي في القَدَر، فنزلت.[٦]
[١] - إذا كان القدر سرّا غامضا لا يعلمه نبيّ مرسل ولا ملك مقرّب فكيف ياترى يمكن الاعتقاد به، والعقيدة جزم وعزيمة؟! نعم إنّما كان لا يعلمه أحد، لأنّه لا واقع له. بل لا يعلمه اللّه أيضا« قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ». يونس ١٨: ١٠.
يقول الاستاذ أحمد أمين عند كلامه عند المعتزلة: وعلى كلّ حال كان مسلك المعتزلة مسلكا لابدّ منه، لأنّه أشبه بردّ فعل لحالة بعض العقائد في زمنهم، لقد قرّروا سلطان العقل وبالغوا فيه أمام من لا يقرّ للعقل بسلطان، بل يقول نقف عند النص ... وقال المعتزلة بحرّية الإرادة وغلوا فيها أمام قوم سلبوا الإنسان إرادته، حتّى جعلوه كالريشة في مهبّ الريح أو كالخشبة في اليمّ ... وفي رأيي أنّه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم، لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي، وقد أعجزهم التسليم وشلّهم الجَبْر وقعد بهم التواكل. ضحى الإسلام، ج ٣، ص ٧٠.
[٢] - الكَيْس- بفتح الكاف- ضدّ العَجْز. قال ابنحجر: ومعناه الحذق في الأُمور، ويتناول امور الدنيا والآخرة.
[٣] - القمر ٤٩: ٥٤.
[٤] - الرعد ١٦: ١٣.
[٥] - الصافات ٩٦: ٣٧.
[٦] - راجع: جامع البيان، ج ١٣، ص ١١٤.