التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٢ - خيفة موسى
فلا مؤاخذة عليك بجهلهم، فعند ذلك تجرّأ موسى على أن ينطق به.[١]
*** وقال تعالى: «وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي، أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ، وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ. قالَ ابْنَ أُمَّ، إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي، فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».[٢]
وقال- أيضا-: «فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً، أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (إلى قوله) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ، أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي؟ قالَ يَا بْنَ أُمَّ. لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي، إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي».[٣]
أليس هذا من ثوران الغضب والتسرّع إلى أمر ربما كان لايحمد عقباه؟!
والجواب: أنّ في ذلك الارتداد المفاجئ الغريب الذي حصل في بني إسرائيل في غيبة نبيّهم أربعين صباحا لمثارا لأكثر من ذلك الغضب، ولاسيّما في مثل موسى عليه السلام ذلك الرجل الغيور في اللّه، فقد وجد أنّ أتعابه كلّها ذهبت أدراج الرياح بفترة قصيرة. ومن ثمّ أخذ اليأس مأخذه من نفسه الكريمة وأخذته الحميّة الإلهية إلى الانتقام السريع من قوم الألدّاء. فأخذ يفتّش عن العوامل التيدعت إلى ذلك التحوّل العظيم، غير المترقّب، والأيادي التي عملت في إضلال القوم وارتدادهم إلى عبادة العجل.
فلأوّل وهلة وقبل كلّ شيء توجّه إلى أخيه الذي استخلفه على قومه، وجعله رقيبا عليهم ومسؤولًا عن قيادتهم الحكيمة. «وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ».[٤]
فحسب أنّ هارون هو الذي تهاون بشأن القوم ولم يرقبهم تلك المراقبة الشديدة
[١] - راجع« صفات تنزيه»، تأويل الآية الثانية.
[٢] - الأعراف ١٥٠: ٧- ١٥١.
[٣] - طه ٨٦: ٢٠- ٩٤.
[٤] - الأعراف ١٤٢: ٧.