التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧١ - حل شبهات المجبرة
المكلّفين اختيارهم في الاهتداء أو البقاء على الضلال. ولولا ذلك لم يحصل اختبار ولا تمييز الخبيث من الطيّب. ولئلّا يكون للنّاس على اللّه حجّة بعد الرسل.
وقوله- بعد ذلك-: «وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ» لا يدلّ على أنّه تعالى حتم عليهم الكفر والعصيان ليدخلوا جهنّم. بل المعنى: أنّه تعالى حقّ القول منه أن لايكره الناس على الطاعة والإيمان، بل يجعلهم مختارين في الاهتداء والبقاء على الضلال تحقيقا لحكمة التكليف. ومن ثمّ فمنهم من يؤمن ومنهم من يكفر «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ»،[١] الأمر الذي ينتهي بامتلاء جهنّم من العصاة والكفار، لسوء اختيارهم الفسوق والطغيان.
وتدلّنا على ذلك الآية بعدها: «فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، إِنَّا نَسِيناكُمْ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»[٢] فكان استحقاقهم العقاب، لسوء تصرّفاتهم في هذه الحياة، وتناسيهم لقاء يوم الحساب. الأمر الذي يتنافى ومقصود الأشعري في الجبر على الكفر والعقاب.
٢٨- والآيات التي جاء فيها تعليق الإيمان على مشيئة اللّه، إنّما تعني إرادته التكوينية للإيمان المتنافية مع حكمة التكليف:
«وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً».[٣] لكنّه تعالى لم يشأ ذلك، بل خوّل الناس اختيارهم في الكفر والإيمان «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ».[٤]
وبذلك اتضح تفسير قوله تعالى: «ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا (أي باختيارهم) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» أن يجبرهم على الإيمان. لكنّه تعالى لايفعل مايخالف حكمته في التكليف.[٥]
٢٩- وقوله: «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»[٦] يعني إذنه في تحقّق الأشياء- على ماسلف تحقيقه- فكلّ مايريد العباد فعله، لايقع إلّا بإذن اللّه، وبإرادته الحادثة الواقعة إثر إرادة العباد، وفق سنّته الجارية في الخلق.
[١] - الكهف ٢٩: ١٨.
[٢] - السجدة ١٤: ٣٢.
[٣] - يونس ٩٩: ١٠.
[٤] - الأنفال ٤٢: ٨.
[٥] - الأنعام ١١١: ٦.
[٦] - الإنسان ٣٠: ٧٦.