التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٥ - معني شقي و سعيد
يَنْقَضَّ».[١] حيث لا إرادة ولا قصد وإنّما هو اقتضاء واقع الأمر. وهكذا في الآية الكريمة كانت الإرادة بمعنى اقتضاء واقعهم السيّء للهلاك والدمار.
وعليه فمعنى الآية: إنّه متى ماحان وقت هلاك قوم، فأراد اللّه أن ينزل بهم العقاب حسب اقتضاء واقعهم المتفسّخ المنهار، كان من علامة ذلك أن يقوم كبراؤهم المنعمون وزعماؤهم المتّبعون، بطغيان عارم واستهتار بالمعاصيوالفجور، فعند ذلك تحقّ عليهم كلمة العذاب.
فقوله: «أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها» يعني: كان من علامة ذلك أنّه كلّما أمرناهم بشيء خالفوا أمرناواستعصوا عن الامتثال، وأخذوا في معاكسة معالم الهدى والصلاح.[٢]
فإذا مارأيتم قوما سيطرت عليهم الميوعة والاستهتار بمقدّسات الشريعة، وتفشّى بينهم الفساد والفحشاء، فاعلموا أنّ البلايا قدوافتهم، واقترب منهم الهلاك والدمار.
وهذا كما قيل: إذا أرادت السماء أن تمطر تغيّمت. أي إذا دنا وقت الإمطار، كان من علامة ذلك أن تتغيّم السماء بالسحاب.
هذا مافهمناه من ظاهر تعبير الآية بعد تعمّق، وبلا تكليف في التخريج، الأمر الذي لايكاد يخفى على من دقّق النظر في جوانب الآية بإمعان.
وهذا اختيار أكثر المفسّرين السلف والخلف حيث أخذوا من الأمر متعلّقا بالطاعة دون الفسق، نظير قولهم: أمرته فخالف، ودعوته فأبى. قال أبوجعفر الطبري- بعد أن ذكر عدّة روايات في تأويل الآية، وصوّب قراءة «أمرنا» بالقصر والتخفيف، لإجماع الحجّة من القراءات على تصويبها:-
فأولى التأويلات به هو تأويل من تأوّله «أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها فحقّ عليه القول». لأنّ الأغلب من معنى «أمرنا» الأمر الذي هو خلاف النهي دون غيره. وتوجيه معاني كلامه- جلّ ثناؤه- إلى الأشهر الأعرف من معانيه أولى، ماوجد إليه سبيل،
[١] - الكهف ٧٧: ١٨.
[٢] - نظرا لأنّ الفسق هو الخروج عن الإطار المضروب حدّا للشيء.