التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٧ - مسألة القضاء والقدر
الاستدلال على وجوب كون هذا السبب ضروري الوجود، وإلّا لزم المحال (التسلسل الباطل). وبذلك حاول إثبات انتهاء أفعال العباد في علل وجوداتها وفي سلسلة الحاجة، إلى ذاته المقدّسة الواجب الوجود. وأخيرا قال: «فثبت أنّ أفعال العباد، بقضاء اللّه تعالى وقدره، وأنّ الإنسان مضطرّ في اختياره، وأنّه ليس في الوجود إلّا الجبر». هذا نصّ عبارته في باب القضاء والقدر من كتابه «المباحث المشرقيّة».[١] وأمّا «تفسيره الكبير» فقد ملأه بأحكام قواعد الجبر على أُصول مذهب أبيالحسن الأشعري وأتباعه الأشاعرة.[٢]
أمّا الفلاسفة الإسلاميون الكبار فقد فسّروا مسألة «القضاء والقدر» بعلمه تعالى الأزلي بالأشياء قبل وقوعها. قالوا: القضاء هو علمه الإجمالي بالأشياء وبالامور الجارية عبر الوجود. والقدر هو علمه التفصيلي بذلك، أي علمه تعالى بتفاصيل ما سيقع من الذوات والأفعال.[٣]
قالوا: ولم يكن العلم القديم علّة لحدوث الأشياء، لا الإجمالي منه ولا التفصيلي حسبما فصلّوه وبيّنوه دفعا لشبهة الجبر.
وفسّر بعضهم «القضاء» بعلمه تعالى بالأشياء، على ما ينبغي أن يكون عليه الوجود، حتّى يكون على أحسن نظام وأبدع تشكيل. وهو المسمّى عندهم بالعناية الربّانية، الّتي هي مبدأ فيوضاته القدسية، المفاضة على الموجودات من حيث جملتها على أحسن وجه وأكمل صورة. و «القدر» عبارة عن خروج تلك الأشياء إلى عالم «الوجود العيني» بأسبابها وعللها، وفق الوجه الذي قرّره القضاء القديم.[٤]
قال الفيلسوف الحكيم صدرالدين الشيرازي- بصدد تفصيل علمه تعالى بالأشياء في مراتبه الثلاث، وهي «العناية» و «القضاء» و «القدر»-: أمّا «العناية» فهي علمه تعالى
[١] - الفصل الخامس من المجلّد الثاني، ص ٥١٦- ٥١٧.
[٢] - وقد بالغ في ذلك حتّى قال بشأن سورة الأنعام: إنّ هذه السورة من أوّلها إلى آخرها تدلّ على صحّة قولنا ومذهبنا في الجبر. التفسير الكبير، ج ١٣، ص ٢٢٧.
[٣] - اللطائف الغيبية، ص ١٩٧- ١٩٨.
[٤] - بنقل العلامة المجلسي عن شرح المواقف. بحار الأنوار، ج ٥، ص ١٢٨.