التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٠ - آراء الثمانيه في تفسير آيه ٤٢ من سوره الانفال
إيّاها، فهو الحائل المتوسّط بينه وبينها، إذا شاء ملّكه إيّاها وإذا شاء منعه منها. ولذلك عقّبها بقوله: «وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» حيث المُلك الحق للّه وحده لاشريك له إنّما يتجلّى ذلك اليوم، وعنده يبطل كلّ ملك ظاهر وتنقشع كلّ سلطنة صورية «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ»[١] «يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ».[٢]
قال: فكأنّه تعالى يقول: واعلموا أنّ اللّه هو المالك حقيقة لقلوبكم، وأنّه أقرب إليكم من كلّ شيء، وستحشرون إليه فتبدوا لكم حقيقة ملكه وسلطانه الشامل فلا يغني عنكم منه شيء. وبذلك لايدع مجالًا لأيّ اعتذار عن رفض الدعوة، وعدم الاستجابة للّه ولرسوله إذا دعاهم لما يحييهم. لأنّه تعالى أقرب إليه من قلبه المعترف في صميمه باللّه وحده لاشريك له. فإن كان يشكّ في شيء فإنّه في واقع فطرته لايشك في اللّه الواحد الذي هو ربّ كلّ شيء. ولن يضلّ في معرفة هذه الحقيقة وتمييز كلمة الحقّ.
فإذا مادعاه داعي الحق إلى قبول كلمة الحق فلا عذر له في ترك الاستجابة، مادام قلبه معترفا بها، من غير أن يختلط عليه حقيقة الأمر أو يرتاب في صميم الواقع. كلّا إنّها إجابة إلى داعية الفطرة، المنطوي عليها الضمير. وإن كلّ مايختلج قلبه من وساوس وشكوك فاللّه سبحانه هو المتوسّط بينها وبين وجدانه الأصيل، الأمر الذي لايجعل للإنسان سبيلًا إلى الجهل به تعالى أو الشكّ في توحّده.
وعليه فليس لأيّ إنسان- تجاه دعوة الحقّ- أن يضمر في قلبه ما يخالف لسانه، لانّه تعالى يعلم ما في نفسه، وسيحشره إليه فينبّئه بما انطوت عليه جوانحه «يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ».[٣] «وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً».[٤]
قال: وأيضا فإنّ اللّه تعالى لمّا كان هو المالك لقلب الإنسان، الحائل بينه وبين قلبه، كان تعالى هو المتصرّف في قلب الإنسان بما يشاء. فكلّ مايجده الإنسان من حالات نفسية: إيمان أو شكّ أو خوف أو رجاء أو طمأنينة أو اضطراب ممّا ينتسب إلى اختياره أو
[١] - غافر ١٦: ٤٠.
[٢] - الانفطار ١٩: ٨٢.
[٣] - غافر ١٦: ٤٠.
[٤] - النساء ٤٢: ٤.