التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٤ - آراء الثمانيه في تفسير آيه ٤٢ من سوره الانفال
وثنى بنبذ قناني النبيذ وكؤوسه فيها، وصار يردّد الآية. وعاد إلى منزله تائبا من كلّ معصية، مجتهدا في طاعة ربّه.
فتذكير اللّه تعالى إيّانا بهذا الشأن من شؤون الإنسان، وهذه السنّة القلبية من سنن اللّه تعالى في الإرادات والأعمال، وأمره إيّانا بأن نعلمها علم إيقان وإذعان، يفيدنا فائدتين لايكمل بدونهما الإيمان، إحداهما: أن لايأمن الطائع من مكر اللّه فيغترّ بطاعته ويعجب بنفسه. والثانية: أن لاييأس العاصي من روح اللّه، فيسترسل في اتباع هواه، حتّى تحيط به خطاياه. فمن لم يأمن عقاب اللّه، ولم ييأس من رحمة اللّه، يكون جديرا بأن يراقب قلبه، ويحاسب نفسه على خواطره مجتنبا الإفراط والتفريط، بين خوف يحجزه عن المعاصي، ورجاء يحمله على الطاعات.[١]
ويتلخّص هذا المعنى في أنّ في القلب نقطة تحوّلات مفاجئة، قد تشرق على تائه الطريق بغتة، فتعطف به إلى المحجّة البيضاء بعد مرارة وشقاء. كما أنّها قد تنطفي على سالك الطريق فتنجرف به إلى مزالق ردى وهلاك بعد سعادة وهناء. فلا ينبغي لسالك سبيل- مهما كانت من طاعة أو عصيان- أن يغفل من نفسه تلكم الحالات المفاجئة في حياته، المغيّرة للمسير أحيانا، فلا يغترّ مؤمن بإيمانه ليأخذه العجب بنفسه فيزلّه عن الصراط بغتة. وإنّ في قصّة ذلك التحول النفسي الذي فاجأ بلعم باعورا، لدرسا وعظة. وهكذا لاييأس العاصي بتوافر خطيئاته مهما كانت عظيمة، ليأخذه القنوط من روح اللّه والشعور بالحرمان الأبدي، ليسترسل في طغيانه. بل العبد- سواء أكان مطيعا أم عاصيا- فإنّه دائما بين خوف ورجاء، لا يأس ولا اغترار.
ولعلّ هذا هو المراد في الحديث المأثور: «إنّ قلوب بنيآدم بين اصبعين من أصابع الرحمان يصرفها كيف شاء». وفي لفظ آخر:
«إذا شاء أزاغها وإذا شاء أقامها» وقد روي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان يدعو: «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك» ثمّ يقرأ: «رَبَّنا لا تُزِغْ
[١] - الشيخ محمد عبده- في تفسير المنار-، ج ٩، ص ٦٣٤- ٦٣٥.