التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٦ - مخاطرة موسى بنفسه
تعرقل في السبيل
جاء في قصّة موسى وفتاه، إذ «نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ فِي الْبَحْرِ سَرَباً»،[١] قوله: «وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ».[٢]
كيف يتسلّط إبليس على مشاعر وليّ من أولياء اللّه، وقد قال تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ»![٣]
لكنّه ليس استحواذا على عقل، حاشا من مقام كريم، وإنّما هو تعرقل في سبيل تكدير الحياة على أوليائه تعالى، وتمهيد لأسباب قد توجب صرف نفوسهم الكريمة عن جهة إلى اخرى، لتكون الاولى مغفولًا عنها أحيانا.
مخاطرة موسى بنفسه
قال تعالى: «وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ، فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».[٤]
لاشكّ أنّ الّذي فعله موسى ذلك الحين وهو الرجل المطالب من قبل السلطات، وكان خطر الموت يرفرف على رأسه كانت مجازفة وتغريرا بنفسه الكريمة بتسليمها إلى العدوّ اللّدود.
وهي بادرة غريبة بدرت منه، ولعلّها من غير تفكير في عاقبتها، حيث كان عليه السلام سريع الغضب في اللّه ومن ثمّ لم يكن ينبغي ذلك منه وهو في طريقه إلى صرح النبوّة الشامخ.
الأمر الذي نسبه إلى عمل الشيطان نظرا لأنّ سورة الغضب هي إحدى حبائل الشيطان يستولي بها على مشاعر الإنسان والحؤول دون رشده.
[١] - الكهف ٦١: ١٨.
[٢] - الكهف ٦٣: ١٨.
[٣] - الحجر ٤٢: ١٥.
[٤] - القصص ١٥: ٢٨- ١٦.