التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٠ - الرؤية
ولا عالما ولاقادرا، لأنّ العالم القادر الرائي، جائز أن يرى، وقد قال تعالى: «إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى».[١]
١٠- وأجاب عن قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ»[٢] بأنّه يحتمل أن يكون لاتدركه الأبصار في الدنيا، وتدركه في الآخرة، لأن رؤية اللّه تعالى أفضل اللذّات وأفضل اللذّات يكون في أفضل الدارين. قال: ويحتمل: لاتدركه أبصار الكافرين المكذّبين.[٣]
هذه عقيدة الأشعري- شيخ أهل السنة والجماعة- في جواز رؤية اللّه تعالى بالأبصار، وعبثا حاول الشيخ محمد عبده تأويل كلامه وكلام أصحابه، بإرادة: كمال المعرفة بالذات[٤] حيث أحسّ بشناعة مذهب أسلافه، فحاول تغطيتها بهكذا تأويل مفضوح، وقد صرّح شيخهم الأشعري بأنّه النظر بهاتين العينين اللتين في الوجه[٥] وتقدّم نقله.
وقد سبق الأشعري إلى هذه الشنعة إمامهم الآخر أبوسعيد عثمان بنسعيد الدارمي (٢٠٠- ٢٨٠) في رسالة ردّ بها على الجهمية فيما زعم. حشاها بأخبار زعمها أدلّة قاطعة على إثبات الرؤية والجهة والمكان والحركة في ذاته المقدّسة، تعالى اللّه عن ذلك.
منها مارواه عن شيخ بغدادي لايعرفه، بالإسناد إلى أنس بنمالك، قال: يتجلّى لأهل الجنة في كلّ جمعة، تفسيرا لقوله تعالى: «وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ». وبإسناد آخر فيه ضعف وجهالة، عن جابر بنعبداللّه الأنصاري، يحكي- فيما زعم- حالة المسلمين يوم القيامة، قال:
ونحن على كوم يوم القيامة، إذ يأتينا ربّنا، فيقول: ماذا تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربّنا، فيقول: أنا ربّكم، فنقول: حتّى ننظر إليك. فيتجلّى لنا وهو يضحك، فنتبعه إلى الجنة.
وروى عن أبيبكر في قوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ» قال: النظر إلى وجه اللّه[٦] إلى غيرها من مخاريق وترّهات ألصقوها بساحة قدس النبيّ صلى الله عليه و آله وكبار
[١] - طه ٤٦: ٢٠.
[٢] - الأنعام ١٠٣: ٦.
[٣] - الإبانة- باب الكلام في إثبات رؤية اللّه تعالى بالأبصار في الآخرة-، ص ٢٥- ٣٩؛ وراجع ايضا كتاب اللُّمَع له: باب الكلام في الرؤية، ص ٦١- ٦٨.
[٤] - تفسير المنار، ج ٩، ص ١٢٨- ١٧٨.
[٥] - الإبانة، ص ٢٨.
[٦] - رسالة الردّ على الجهمية، ص ٤٥- ٥٨.