التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٧ - الفوقية
اللَّهِ».[١] لكن من المؤسف أنّ الأشاعرة لم يهتدوا إلى فهم هذا المعنى.
والقصة التالية- أيضا- شاهدة صدق لهذا المعنى الذي تنبّهنا له، رواها عمران بنخالد بنطليق بنمحمد بنعمران بنحصين.
قال: حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه: «إنّ قريشا جاءت إلى الحصين وكانت تعظمه، فقالوا له: كلّم لنا هذا الرجل- يعنون محمّدا صلى الله عليه و آله- فإنّه يذكر آلهتنا ويسبّهم، فجاؤوا معه حتّى جلسوا قريبا من باب النبيّ صلى الله عليه و آله ودخل الحصين، فلمّا رآه النبيّ صلى الله عليه و آله قال: أوسعوا للشيخ- وعمران وأصحابه متوافدون- فقال الحصين: ماهذا الذي يبلغنا عنك، أنّك تشتم آلهتنا وتذكرهم، وقد كان أبوك جفنة وخبزا- يريد بسط جوده وكرمه على قريش- فقال: ياحصين كم إلها تعبد اليوم؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وإله في السماء. قال: فإذا أصابك الضرّ من تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعو؟ قال: الذي في السماء. فقال له النبيّ صلى الله عليه و آله: فيستجيب لك وحده وتشركهم معه؟![٢]
٢٥- وأسوأ فهما وأردأ إدراكا لحقائق الدين ومفاهيمه العليا، هم الحشوية من أصحاب الحديث، أمثال أبيسعيد عثمان بنسعيد الدارمي (٢٠٠- ٢٨٠)، وأبيبكر محمد بنإسحاق بنخزيمة السلمي (٢٢٣- ٣١١)، ومن لفّ لفّهما في كرف حثالات الأخبار والأسقاط وحشو كتبهم منها، من غير دراية ولاتمحيص. هذا ابنخزيمة حشى كتابه الذي أسماه «التوحيد والصفات» من خزعبلات إسرائيلية كانت رائجة ذلك العهد، فأثبت بها للربّ تعالى أعضاء وجوارح، وبذلك انحرفوا عن مسير الإسلام وأخذوا في اتجاه معاكس، مغبّة إعراضهم عن مسائلة أهل الذكر الذين هم آل بيت الرسول صلى الله عليه و آله وذرّيته الأطيبون. وقد قال تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ».[٣] لكنّهم أعرضوا فعموا فأعمى اللّه قلوبهم «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ».[٤]
٢٦- وهكذا استدلال أبي سعيد بحديث الأعرابي الذي جاء إلى النبيّ صلى الله عليه و آله يشكو الجدب- إلى قوله- إنّ اللّه فوق عرشه، فوقسماواته، وسماواته فوق أرضيه مثل القبّة،
[١] - البقرة ١١٥: ٢.
[٢] - كتاب التوحيد لمحمد بنإسحاق، ص ١٢٠- ١٢١.
[٣] - النحل ٤٣: ١٦.
[٤] - الحج ٤٦: ٢٢.