التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٦ - الاستهزاء والخديعة
عليهم بالذات، في حين إرعابهم بين حين وآخر بفضح دسائسهم ومكائدهم بين الأشهاد، وجعلهم في اضطراب نفسي دائم، وفي الآخرة لهم عذاب أشدّ وأبقى.
فالتعبير بالاستهزاء من جانبه تعالى تعبير مجازيّ، رعاية للمشاكلة اللفظية التي هي من فنون البديع، ولأنّه تعالى يفعل بهم مايشبه فعل المستهزئين، حيث يدعهم يخبطون على غير هدى في طريق لايعرفون غايته، واليد الجبّارة تتلقّفهم في نهايته. قال سيّد قطب: كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخّ، غافلة عن المقبض المكين. وهذا هو الاستهزاء الرعيب، لا كاستهزائهم الهزيل الحقير.
«وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ».[١]
إنّها معاكسة طبيعية تجابههم في أشدّ وقعتها «خذ الغايات واترك المبادىء». إنّه تعالى وإن كان لايخدع أحدا ولا يستهزئ بأحد، لكنّه يردّ كيد الخائنين في نحورهم ويجعل من الواقعية بحيث تعاكس أهدافهم وتخيب آمالهم إلى ما يناقضها في نهاية المطاف.
قال الزمخشري: معنى استهزائه تعالى بهم إنزال الهوان والحقارة بهم، لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفّة والزراية ممّن يهزأ به، وإدخال الهوان والحقارة عليه وقد كثر التهكّم في كلامه تعالى بالكفرة، والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم، والدلالة على أنّ مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون. وأيضا فقد سمّى جزاء الاستهزاء باسمه، كقوله: «وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها».[٢] وقوله: «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ».[٣] فإن قلت: كيف ابتدأ قوله: «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» من غير عطف على كلام قبله؟ قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة. وفيه أنّ اللّه عزّوجلّ هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء. ولا
[١] - البقرة ١٤: ٢- ١٥.
[٢] - الشورى ٤٠: ٤٢.
[٣] - البقرة ١٩٤: ٢.