التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٢ - مسألة الأمر بين الأمرين
العدل- فهلّا يصدق حينذاك أنّ في عالم الخلق والإيجاد مؤثّرين: اللّه فيما يختصّ به من أفعال. والعبد فيما يختصّ به من أفعال؟! وإن قلنا: إنّ مايصدر من العبد من أفعال اختيارية، ليس مستقلًا في إيجادها، بل اللّه يشركه في الإحداث والإيجاد، فالأمر أسوأ، لأنّه يقتضي التشريك في الخلق والإيجاد، المنافي لمسألة توحيد الأفعال؟!
قلت: لامنافاة بين الأمرين، استقلال العبد فيما يحدثه من أفعال (الأفعال الاختيارية) وكونها لاتحدث ولا تتحقّق خارجا إلّابإذنه تعالى وإيجاده، تحقيقا لقاعدة «لامؤثّر في الوجود إلّا اللّه» ولقوله تعالى: «اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ».[١]
وذلك أنّه تعالى جرت سنّته في إيجاد مايريد العباد إيجاده، تحقيقا لمبدء الاختيار الذي منحه لعباده، وليصحّ تكليفهم واختبار نيّاتهم. وإن شئت فقل: إنّه لايوجد شيء إلّا بإذنه تعالى، لكن اللّه جعل من سنّته أن توجد الأشياء عندما يريد العباد إيجادها، فهو تعالى الموجد لكن عند إرادة العبد، وقد جعل اختيار وجودها رهنا باختيار العباد إن شاؤوا وجدت بإذن اللّه، وإن لم يشاؤوا لم توجد، حيث ذلك الارتباط هو من صنع اللّه الذي أتقن كلّ شيء.
وبذلك صحّ القول: «أن لا خالق إلّا اللّه» و «لاموجد إلّا اللّه» و «لامؤثّر في الوجود إلّا اللّه». كما صحّ القول بأنّ العباد هم يحدثون ما يريدون فعله ويتركون مايكرهون وجوده من أفعال اختيارية.
كما أنّ مسألة «الأمر بين الأمرين» عبارة عن هذا المعنى، وإليك توضيحها بالبيان التالي:
مسألة الأمر بين الأمرين
إنّ مسألة «الأمر بين الأمرين» تعود في أساسها حدّا فاصلًا بين مسألة «الجبر الأشعري» ومسألة «التفويض الاعتزالي»، أرشد إليها أئمّة أهل البيت عليهمالسلام في نصوص
[١] - الزمر ٦٢: ٣٩.