التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٣ - ما الآيه تمسكت الاشاعره بها بالجبر من الله
وإنّما هو بتمهيد مقدّماته من تشريع وترغيب وأخيرا توفيق وتسديد لمن يريد اللّه غلبه، وخذلان المغلوب وحرمانه عن ألطافه الكريمة.
وهكذا انتصر المؤمنون على الكافرين بفضله تعالى ومنّه.
١٧٦- «رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».[١] ابتهال إلى اللّه أن يمنّ عليه بألطافه الخاصّة ويسدّد خطاه إلى الصواب أبدا. وهذا طلب توفيق لا إلجاء فيه البتة.
١٧٧- «وَ لكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَ كانُوا قَوْماً بُوراً».[٢] هذا خذلان واستدراج، عقوبة عاجلة ومماثلة مع ذلك الاستكبار واللجاج مع الحقّ.
١٧٨- «وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَ كَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَ نَصِيراً».[٣] هذه الآية تسلية للنبيّ صلى الله عليه و آله إذ لم يكن بدعا من الرسل، فكما له أعداء ينابذونه ويسدّون في وجهه طرق الدعوة إلى اللّه، كذلك كان للأنبياء السلف أعداء. وهذا إخبار عن واقعية مُرّة يجابهها كلّ قائم بإصلاح.
أمّا نسبة ذلك إلى اللّه- جلّ شأنه- فهي مجاز، باعتبار أنّه تعالى ختم على قلوبهم وأخزاهم وخذلهم وربّما أملى لهم ليزدادوا إثما، فعتوا واستكبروا استكبارا جزاء متناسبا مع ذلك العناد المستمرّ مع الحقّ والطغيان العارم.
ولو كان ذلك على حقيقته لم يحسن توجيه اللائمة إليهم بالذات.
١٧٩- «كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا».[٤] أي كان نزول القرآن تدريجيا أثبت لموقفك واطمئنان قلبك، حيث تواصل ذلك الارتباط مع المبدأ الأعلى، فلا تزال تتّصل بعالم الغيب بين آونة واخرى، فيزيد من قوى عزمك ويؤكّد نشاطك في دعوتك إلى الإصلاح. إنّه شعور مستمرّ بالحجة البالغة كلّما فتحوا له بابا من الجدل أو اعترضوا له اعتراضا.
وهذا- أيضا- من توفيقه تعالى وتأييده لنبيّه الكريم صلى الله عليه و آله. وليس فيه من الإلجاء على الإيمان شيء، كما زعمه الأشعري وأذنابه.
[١] - المؤمنون ٩٤: ٢٣.
[٢] - الفرقان ١٨: ٢٥.
[٣] - الفرقان ٣١: ٢٥.
[٤] - الفرقان ٣٢: ٢٥.