التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٨ - مسألة الحبط والتكفير
الكفر والجحود. قالوا: صاحب الكبيرة لا يُسمّى مؤمنا ولا كافرا، وإنّما يسمّى فاسقا. أمّا الأوّل، فلأنّ مرتكب الكبيرة يستحقّ الذمّ واللعن والاستخفاف والإهانة، ولا شيء من ذلك يصلح لشأن المؤمن الذي يستحقّ المدح والتعظيم والموالاة. وقد سمّوا من خالفهم في هذا الرأي بالمرجئة.[١] وأمّا الثاني، فلأنّ الكافر هو من يستحقّ العقاب العظيم، ويتختصّ بأحكام مخصوصة، وله حالة جحود لِنِعَم اللّه تعالى عليه، الأمر الذي لاينطبق على مرتكب الكبيرة. وخالفهم في هذا الرأي الخوارج.[٢]
وهي- أيضا- من المسائل التي اختلفنا فيها مع أصحاب الاعتزال، لزعمهم أنّ من شرط الإيمان هو العمل بالأركان.[٣] فأخذوا من فروع أحكام الإسلام قيدا في ثبوت أُصوله، ومن ثَمَّ فإنّ المشروط والمقيّد بشيء ينتفي عند فقد شرطه وقيده. قال القاضي:
لأنّ الأُمّة اتّفقت على أنّ ركعتي الفجر[٤] من الدين، وإذا ثبت أنّه من الدين ثبت أنّه من الإيمان، لأنّ الدين والإيمان واحد![٥]
قلت: الإيمان عندنا عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان. أمّا فعل الطاعات واجتناب المعاصي، فهو من آثار الإيمان المترتّبة عليه مع الالتفات إليه. ويختلف حسب اختلاف درجة الإيمان وقوّته، كالعقل حسب درجاته في الكمال يُؤثّر في اتّزان الإنسان في أفعاله واجتناب القبائح. فكما لايصحّ أن يقال لكلّ مرتكب قبيح: أنّه فاقد للعقل إطلاقا، كذلك لايصحّ نفي الإيمان عن مرتكب المعصية إذا لم يكن عن جحود.
ومن ثمّ فإنّ الفاسق باق على إيمانه، وهو الذي يدعوه إلى التوبة والاستغفار ولولاه لم يتب ولم يكن يؤوب. نعم إذا كان مرتكب الكبيرة جاحدا لحرمتها بما يرجع إلى إنكار
[١] - راجع: شرح الاصول الخمسة ص ٧٠١- ٧١١.
[٢] - راجع: المصدر، ص ٧١٢.
[٣] - الإيمان عند أبيعلي وأبيهاشم عبارة عن أداء الطاعات، الفرائض دون النوافل واجتناب المقبحات. وعند أبيالهذيل عبارة عن أداء الطاعات، الفرائض منها والنوافل واجتناب المقبحات. وقد اختاره قاضي القضاة. انظر: المصدر، ص ٧٠٧- ٧٠٨.
[٤] - يعني نافلته حسب اختياره مذهب أبيالهذيل في كون النوافل من الإيمان.
[٥] - المصدر، ص ٧٠٨.