التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٣ - مسألة السعادة والشقاء
أنفسهم أي شقوة لازمة لسوء اختيارهم وأثر سيّئات أعمالهم حيث أضافوها إلى أنفسهم.
قال: ويشهد لذلك وقوع الآية بعد قوله: «أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ».
وتعقيبها بقوله: «رَبَّنا أَخْرِجْنا ... الخ».
قال: وإنّما اعترفوا بالذنب والتقصير ليتوصّلوا بذلك إلى التخلّص من العذاب، وللرجوع إلى كسب السعادة، فقد كانوا عاينوا من قبل أنّ اعتراف العاصي بالذنب والصغار كانت توبة له ومطهّرة له من الذنب، فكانت تنجيه من العقاب.
قال: وهذا من قبيل ظهور الملكات، كانوا يكذبون من قبل مع ظهور الحقّ ومعاينته بشهود، كذلك يكذبون ذلك اليوم تجاه ربّ العالمين. لاستقرار ملكة الكذب في نفوسهم «يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ».[١]
ومن ثمّ جاءهم الردّ القاصف: «قالَ اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ».[٢] والدليل على أنّهم يكذّبون ذلك اليوم بكلّ وقاحة وشراسة، قوله تعالى: «ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا (كذبا وزورا) ضَلُّوا عَنَّا» أي نجهلهم ولا نعرف منهم شيئا ثمّ بدا لهم أن ينكروا عبادتهم للأصنام رأسا إنكارا صريحا ومن ثمّ قالوا: «بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً».[٣] انظر إلى هذه الوقاحة تجاه ربّ العالمين الذي لاتخفى عليه خافية في السّماوات والأرض!!
وقال الجبائي: «المراد أنّ طلبنا للّذّات المحرّمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبّب على السبب. وليس هذا باعتذار منهم، لعلمهم بأن لاعذر لهم فيه، ولكنّه اعتراف بقيام حجّة اللّه عليهم في سوء صنيعهم».
وقال القاضي: «في الآية دلالة على أنّه لاعذر لهم إلّا الاعتراف (بالتقصير). فلو كان
[١] - المجادلة ١٨: ٥٨. راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج ١٥، ص ٧٥.
[٢] - المؤمنون ١٠٨: ٢٣.
[٣] - غافر ٧٣: ٤٠- ٧٤.