التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣ - هل يعلم التأويل إلا الله؟
أو ليس النبيّ صلى الله عليه و آله هو الذي أرجع امّته إلى القرآن إذا ما التبست عليهم الأُمور كقطع الليل المظلم[١] فبماذا يرجعون إذا التبس عليهم القرآن ذاته؟!
وأخيرا فإنّا لم نجد من علماء الامّة- منذ العهد الأوّل فإلى الآن- من توقّف في تفسير آية قرآنية بحجّة أنّها من المتشابهات لا يعلم تأويلها إلّا اللّه. وهذه كتب التفسير القديمة والحديثة طافحة بأقوال المفسّرين في جميع آي القرآن بصورة عامّة، سوى أنّ أهل الظاهر يأخذون بظاهر المتشابه، أمّا أهل التمحيص والنظر فيتعمّقون فيه ويستخرجون تأويله الصحيح، حسبما يوافقه العقل والنقل الصريح.
قال الشيخ أبوعلي الطبرسي: «وممّا يؤيّد هذا القول- أي أنّ الراسخين يعلمون التأويل- أنّ الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن، ولم نرهم توقّفوا على شيء منه لم يفسّروه بأن قالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلّا اللّه».[٢]
وقال الإمام بدرالدين الزركشي: «إنّ اللّه لم ينزل شيئا من القرآن إلّا لينتفع به عباده، وليدلّ به على معنى أراده، ولا يسوغ لأحد أن يقول: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم يعلم المتشابه.
فإذا جاز أن يعرفه الرسول صلى الله عليه و آله مع قوله: «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» جاز أن يعرفه الربّانيون من صحابته، والمفسّرون من امّته. ألا ترى أنّ ابنعباس كان يقول: أنا من الرّاسخين في العلم. ولو لم يكن للراسخين في العلم حظّ من المتشابه إلّا أن يقولوا: «آمنّا» لم يكن لهم فضل على الجاهل، لأنّ الكلّ قائلون ذلك. قال: ونحن لم نر المفسّرين إلى هذه الغاية توقّفوا عن شيء من القرآن، فقالوا: هذا متشابه لا يعلم تأويله إلّا اللّه. بل أمرّوه على التفسير حتّى فسّروا الحروف المقطّعة».[٣]
أمّا بالنظر إلى ذات الآية، فلعلّ دلالتها على التشريك واضحة، إذ من الضروري لزوم رعاية المناسبة القريبة بين عنوان «المسند إليه» وفحوى مدلول «المسند»، وذلك فيما إذا تعنون المسند إليه بوصف خاصّ، فإنّه يجب- حينذاك- من مراعاة مابين هذه الصفة،
[١] - راجع: الكافي، ج ٢، ص ٥٩٩.
[٢] - مجمع البيان، ج ٢، ص ٤١٠.
[٣] - البرهان للزركشي، ج ٢، ص ٧٢- ٧٣.