التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٥ - حل شبهات المجبرة
اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ».[١] انظر إلى هذه الدقّة في التعبير، ذكر خلق كلّ شيء أوّلًا ثمّ عقّبه بعلمه بكلّ شيء. ثمّ ذكر خلق الأشياء ثانيا وعقّبه بكفالته لحفظها وتدبير شؤونها ... فلو فرضنا الآية تشمل خلق أفعال العباد أيضا فإنّ ذلك خير قرينة على إرادة علمه الشامل وتدبيره العام لشؤون المحدثات على الإطلاق.
٧ إلى ١١- وقوله: «أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ»[٢] يريد الخلق بمعنى الإيجاد والإبداع، الذي لاحظّ لمخلوق في ذلك سوى خلق الجوّ الملائم وفعل الشرط لاأكثر. وهكذا بقيّة الآيات التي تنفي قدرة غيره تعالى على الخلق يعني الاستقلال التام في الخلق والتكوين. الذي هو شأن المعبود تعالى وتقدّس.
١٢- وقوله: «خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما»[٣] ظاهر في الموجودات العينية، لمناسبة السنخية الملحوظة بين المتعاطفات: السماء والأرض وكلّ موجود جسماني واقع بينهما. والدليل على ذلك تمام الآية: «الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ».[٤] ولو كانت تشمل أفعال العباد أيضا لوجب حملها على إرادة التقدير والتدبير، لأنّ الأفعال متدرّجة الحدوث بعد الستة الأيّام التي تمّ فيها خلق السماوات والأرض وما بينهما من موجودات.
ويشهد لذلك التعبير بالربّ في آيات مماثلة: «رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا».[٥] وفي قوله تعالى: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ»[٦] لدليل على خلقة سبقت وجود العباد وأفعالهم، وشاهد صدق على إرادة الموجودات العينية.
١٣- والإرادة في قوله تعالى: «فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ»[٧] إرادة تكوين. أي يفعل مايريد أن يفعله هو تعالى «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».[٨] وهذا هو الظاهر من أمثال
[١] - الأنعام ١٠١: ٦- ١٠٢.
[٢] - النحل ١٧: ١٦.
[٣] - الفرقان ٥٩: ٢٥.
[٤] - الفرقان ٥٩: ٢٥.
[٥] - الشعراء ٢٤: ٢٦.
[٦] - الحجر ٨٥: ١٥.
[٧] - هود ١٠٧: ١١.
[٨] - يس ٨٢: ٣٦.