التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٨ - دلائل آيات
جزاء الأعمال. إنّها تعني همّة الإنسان ومبلغ اهتمامه بشؤون حياته الإنسانية الكريمة، كلّما ازدادت عنايته بهذا الشأن ازداد تعاليه على مدارج الكمال ونال شرفا أكبر في الدارين.
٣- وأمّا قوله: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» فقد عرفت تفسيره- في كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام- بأنّه تعالى لا يزال في خلق جديد وإبداع ما لم يكن. فهو ابتداء لا مجرد إبداء.
وقد مرّ كلام الصدوق: أنّ له تعالى أن يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء، ثم يُعدم ذلك الشيء ويبدأ بخلق غيره. وجعل ذلك تفسيرا لوصفه تعالى بالبداء.[١]
وللمولى صدر المتألّهين الشيرازي بحث لطيف عن هذه الآية (الرحمان: ٢٩) جادت به قريحته الوقّادة، عند تفسيره لقوله تعالى: «خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ».[٢]
قال: لقد منّ اللّه علينا بالتحقيق عن أمثال هذه الآيات بما يُغني عن ارتكاب مخالفة الظاهر أو صرف الكلام عن ظاهر تعبيره في متفاهم العرف العامّ.
قال: وبيان ذلك يستدعي تمهيد مقدّمات:
منها: أنّ الامور الطبيعيّة- ويقال لها الطبيعيات- هي بحاجة في وجودها وتعقّلها إلى قابل وحركة وزمان. على خلاف المجرّدات المستغنية عن الأُمور الثلاثة، سواء في الوجود أم في التعقّل.
ومنها: أنّ لكلٍّ من القسمين عالَما يخصّه، فللطبيعيّات عالَم الحسّ والشهادة، وللمجرّدات عالَم الغيب.
ومنها: أنّ الأمر التدريجي الوجود، من حيث هو تدريجي الوجود، يكون زمان بقائه عين زمان حدوثه.
وبعد ... فإنّ السماء والأرض ومابينهما، حيث كانت زمانية الوجود، تدريجيّة
[١] - التوحيد للصدوق، ص ٣٣٥.
[٢] - السجدة ٤: ٣٢.