التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٣ - البداء في كفة الميزان(موضعه من صفاته تعالى الجمال والجلال)
جديد إنّما هو جديد في ظاهره، لكنّه قديم في علم اللّه وتقديره.[١]
غير أنّ هذا التأويل لا يلتئم مع العقيدة بتداوم تدبيره تعالى وأنّه تعالى ربّ العالمين ربوبيّةً بالفعل، ومستمرّة مع استمرار الوجود، إنّه تعالى خالق كلّ شيء ولا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه، ولا يزال في إبداع وخلق وإيجاد، وفيّاضا على الإطلاق.
*** وقال الإمام الرازي- عند تفسير آية المحو والإثبات (الرعد ٣٩: ١٣)-: فإن قال قائل: ألستم تزعمون أنّ المقادير سابقة، قد جفّ بها القلم وليس الأمر يأنف، فكيف يستقيم مع هذا المعنى، المحو والإثباتُ؟!
قلنا: ذلك المحو والإثبات أيضا ممّا جفّ به القلم، فلا يمحو إلّا ما سبق في علمه وقضائه محوه.[٢]
وهذا الكلام- أيضا- ناظر إلى ما ذكره ابنالفضل من التأويل.
ومن الغريب أنّه نسب إلى الشيعة- وسمّاهم الرافضة- القول بالبداء بمعناه الباطل، وهو أن يعتقد شيئا ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده.[٣]
غير أنّ هذا تفسيرٌ من عنده وتحميلٌ على الشيعة ما لم يقولوه، لأنّهم في عقيدة البداء تمسّكوا بآية المحو والإثبات- على ما صرّح به الرازي نفسُه- فإذا كانت الآية ذات تأويل معقول ومعروف لذي عامّة المسلمين، فياترى كيف يظنّ هذا الإمام (!) بالشيعة بالذات أنّهم يفسّرونها على غير وجهها المعروف؟!
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ»[٤] وهذا
[١] - وللمولى صدرالدين الشيرازي تأويل لحديث جفّ القلم، يُشبه تأويل ابنالفضل، سوى أنّه يجعل الحديث ناظرا إلى واقع الأمر، حيث كان مسرح الوجود بأسره منخلعا عن الزمان والمكان، وكلّ شيء فإنّه ثابت العين في حقيقته الواقعيّة، لا تجدّد فيه ولا تغيّر، وإنّما هذا التحوّل والتغيير بالنسبة إلى إدراكاتنا الضيّقة النطاق المحدودة بحدود الزمان والمكان ... وإلّا فالجميع مطويّات بيمينه تعالى وتقدّس. راجع: تفسير القرآن الكريم، سورة السجدة، رقم ٤، ج ٦، ص ٣٣. وربما يأتي الكلام عنه.
[٢] - التفسير الكبير، ج ١٩، ص ٦٥- ٦٦.
[٣] - المصدر، ص ٦٦.
[٤] - الحجرات ١٢: ٤٩.