التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٢ - الرؤية
كلّ، واللّه تعالى ليس كلًاّ مركّبا من أجزاء، وإلّا كان مادة. وإذا كان كذلك فليس تدركه عيوننا التي خلقت، وليس قدرتها إلّا أنترى ما هو مادة، وما هو في جهة، وهكذا ساروا في هدى العقل جريئين، ويقرّرون ما يرشد إليه في شجاعة وإقدام. وهم أمام النقل يسلّمون ما يوافق منها البرهان العقلي ويؤوّلون ما يخالفه بكلّ صراحة، من غير خوف من النتائج مهما كانت، متى اطمأنّوا إلى أنّهم يسايرون العقل، فالعقل هو الحكم عندهم بين الآيات المتشابهات، وهو الحكم على الحديث، ليقرّر عدم صحّته إن لم يوافق العقل ولم يحتمل التأويل.[١] وهم إنّما يؤوّلون المتشابه على حساب تحقيق المحكم من العقل والنقل، على عكس الأشاعرة، الذي يعمدون إلى تأويل المحكم على حساب التحفّظ على ظاهر المتشابه، كما تقدّم تأويل أبيالحسن الأشعري قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» على حساب التحفّظ على ظاهر قوله تعالى: «إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ». هذا هو الفارق الأساسي بين الفريقين- فريق أهل العدل والتنزيه، وفريق أهل السنّة والجماعة- حسب تعبيرهم هم.
وقد فصّل الكلام- في نفي رؤيته تعالى- القاضي عبدالجبار في كتابه: «شرح الاصول الخمسة»[٢] وأوفى البحث حقّه. وهكذا الخواجا نصيرالدين الطوسي في مختصره:
«تجريد الاعتقاد»[٣] بإيجاز وإيفاء، وغيرهما من اصول معتمدة.
وملخّص الكلام في نفي الرؤية: أنّ النظر بالعين، عبارة عن إشعاع نوري يحيط بالجسم المرئي، الواقع في جهة مقابلة لعين الرائي، فتنطبع فيها صورته الخارجية. وهذا مستحيل عليه تعالى، لأنّه يستدعي تجسيما وجهة ومحدودية، وقبولًا للإشارة الحسّية، وكلّ ذلك باطل- بشأنه تعالى- في ضرورة العقل ومحكم الكتاب العزيز، قال تعالى:
«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ».[٤] ولاشكّ أنّ التجسيم ومستتبعاته تشبيه محض. وكذا قوله تعالى: «لا
[١] - راجع: ضحى الإسلام، ج ٣، ص ٦٨- ٦٩.
[٢] - باب نفي الرؤية، ص ٢٣٢- ٢٧٧.
[٣] - بشرح العلامة الحسن بنالمطهّر الحلّي، ص ١٦٣- ١٦٥.
[٤] - الشورى ١١: ٤٢.