التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٦ - حل شبهات المجبرة
هذا الكلام عند حذف المتعلّق ... أمّا إرادته تعالى المتعلّقة ببعض أفعال العباد، فهي إرادة تشريعية قد تتخلّف عن المراد على ماسبق البحث عن ذلك إجماليا.[١]
١٤- وقوله: «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ (كجدب وآفة) وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ (كمرض وعاهة) إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها».[٢] إشارة إلى مسألة القضاء والقدر، التي ليست سوى علمه تعالى بما سيحدث وعلى الصفة التي تحدث في علمه القديم. من غير أن يكون علمه تعالى علّة لتكوين المعلوم، حيث لاشأن للعلم أن يكون مؤثّرا في تحقّق المعلوم، سواء تعلّق به قبل حدوثه أم بعده أم مقارنا له. وسنبحث عن هذه المسألة في فصل قادم، إن شاء اللّه.
١٥- وقوله: «وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ»[٣] لايعني تكلّماتهم فيما ينطقون، وإنّما عنى اختلاف لهجاتهم، وإقدارهم على النطق بمختلف اللغات. وقد فسّر باختلاف نبرات الصوت، حتّى لاتشتبه نغمات صوتين، كما لاتشتبه لمحات وجهين حتى ولو تشابهت الألوان.
قال القاضي: وذلك أنّ اللسان آلة في الكلام، وبحسبه يختلف الكلام، فأراد تعالى أن يبيّن أنّه خالف بين الألسنة لكي تختلف الأصوات والنغم في الكلام، فيفصل بين متكلّم ومتكلّم، كما خالف بين الألوان، ليقع للمشاهد التمييز.[٤]
١٦- وقوله: «وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ»[٥] كان المشركون يتكلّمون فيما بينهم بأشياء فيخبر اللّه نبيّه، فقال بعضهم: أسرّوا قولكم لئلّا يسمعه إله محمّد، فنزلت: أنّه لافرق عند اللّه بين الجهر والإخفات، إنّه يعلم ما تختلج به صدوركم قبل النطق به. ثمّ جاء التعقيب معلّلا: «أَ لا يَعْلَمُ»- أي خفايا جوانحكم- «مَنْ خَلَقَ»- أي من خلقكم، فهو أعرف بخباياكم قبل مظاهركم- «وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»[٦] فلا يعزب عنه شيء وإن دقّ ولطف.
[١] - راجع« إرادة تكوينية وإرادة تشريعية».
[٢] - الحديد ٢٢: ٥٧.
[٣] - الروم ٢٢: ٣٠.
[٤] - متشابه القرآن للقاضي، ج ٢، ص ٥٥٣- ٥٥٤؛ والصافي في تفسير القرآن، ج ٢، ص ٢٩٧- ٢٩٨.
[٥] - الملك ١٣: ٦٧.
[٦] - الملك ١٤: ٦٧.