التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٨ - حل شبهات المجبرة
لتنافى مع قوله: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى. وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى. ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى»[١] قبل هذه الآية، الصريحة في أنّ للعباد نشاطات ومساعي هم يحاولونها عن إرادة واختيار، وتعود عليهم بالذات مضاعفات أعمالهم في هذه الحياة.
٢٠- وقوله: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ».[٢] لايعني سلب قدرة العباد عن الإحداث والإيجاد حتّى لمثل أفعالهم الاختيارية، لأنّ وجه هذهالآية إلى غير هذه الجهة، وإنّما تعني نفي أنّهم خالقون لأنفسهم، بصدد إثبات أنّه تعالى هو خالق الأرض والسماء وجميع الخلائق، ببرهان السبر والتقسيم، إذ يدور أمر الخلق بين ثلاث: الاولى- أنّهم خلقوا منغير شيء، فلميكن هناك مبدع ولاصانع، وإنّما وجدوا صدفهمن العدم المحض. الثانية- أنّهم هم الّذين خلقوا أنفسهم. الثالثة- أنّ اللّه خلقهم كما خلق سائر المخلوقات.
قال تعالى: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ».[٣]
وبما أنّ الصدفة والخروج عن العدم المحض من غير علّة ولاسبب موجد مستحيلة، في بداهة العقل الرشيد، وكذا أن يكون موجود هو أوجد نفسه فيكون بذاته علّة لذاته وفي نفس الوقت معلولًا عن ذاته، ليتّحد العلّة والمعلول، هذا أيضا مستحيل، فثبتت الثالثة، وأنّ هناك صانعا مدبّرا هو الذي خلق وقدّر.
٢١- وقوله: «شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ»[٤] نفى أن يكون من زعموه شريكا مع اللّه في العبادة أن يكون شريكا معه في الخلق. فإذا لم يكونوا شركاء في الخلق، فكيف أصبحوا شركاء في العبادة؟! والخلق المنفي هنا هو الاستقلال والاستبداد في الإحداث والإبداع، الأمر الذي لايتنافى واختيارية أفعال العباد، الذين هم غير مستقلّين فيها، فلم يكونوا شركاء له تعالى في الخلق والتدبير التام. إذ نسبة الفعل إلى فاعله- باعتبار أنّه موجد لشرطه- لاتقتضي استقلاله في الإحداث.
[١] - النجم ٣٩: ٥٣- ٤١.
[٢] - الطور ٣٥: ٥٢.
[٣] - الطور ٣٥: ٥٢- ٣٦.
[٤] - الرعد ١٦: ١٣.