التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤ - هل في القرآن متشابه؟
هل في القرآن متشابه؟
لا شكّ أنّ القرآن كما هو مشتمل على آيات محكمات- في أكثرية غالبة- مشتمل على آيات متشابهات- في عدد قليل- قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ»[١] ونسبة عدد المتشابهات إلى المحكمات نسبة هابطة جدا. فلو اعتبرنا من مجموع آي القرآن الحكيم مايربو على ستة آلاف آية، فإنّ المتشابهات لا تبلغ المائتين لو أخذنا بالتدقيق وحذف المكرّرات حسبما يوافيك نماذج منها. وعليه فالمجال أمام مراجعة الكتاب العزيز، والارتواء من مناهله العذبة، واسع جدّا.
وقد حاول البعض إنكار وجود آي متشابهة بالذات في القرآن، بحجة أنّه كتاب هداية عامّة «هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ».[٢] وقد قال تعالى: «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ».[٣] ومن ثمّ فالتعبير بالتشابه في آي القرآن إنّما يعني التشابه بالنسبة إلى اولئك الزائغين الذين يحاولون تحريف الكلم عن مواضعه.
غير أنّ الإنكار لا يصلح علاجا لواقعية لامحيص عنها، نعم لا يصطدم وجود المتشابه في القرآن مع كونه هداية عموم، أوّلًا: ضئالة جانب المتشابه، بحيث كان الطريق أمام المستهدين بهدي القرآن الكريم فسيحا جدّا وإمكان مراجعة الآيات المحكمات- كما نصّت الآية عليه- لحلّ المتشابه منها. ثانيا: هداية الكتاب تعني كونه المصدر الأوّل للتشريع وتنظيم الحياة العامّة، وهذا لا يعني إمكان مراجعة عامّة الأفراد للقرآن في جميع أحكامه وتشريعاته، إذ لمثل ذلك اختصاصيّون يعرفون من الكتاب مالا تعرفه العامّة.
وهم يشكّلون قيادة الأُمّة على هدى الكتاب، وبذلك أصبح القرآن مصباحا ينير درب الحياة على ركب الإنسانية بشكل عامّ.
[١] - آلعمران ٧: ٣.
[٢] - آلعمران ١٣٨: ٣.
[٣] - هود ١: ١١.