التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٣ - مزعومة الأشعري في الإلجاء
آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ، وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ».[١] وهو تفسير قوله: «يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ» بدليل قوله: «قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ».[٢] فالّذين يريد اللّه إضلالهم- أي خذلانهم- هم الّذين لاينيبون إلى اللّه مولاهم الحقّ،[٣] «وَ غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ».[٤] «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَ فَضْلٍ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً».[٥]
قال سيدنا الطباطبائي قدسسره: قد وقع المؤمنون حقّا بين هدايتين: هداية اولى فطرية وانصياع إلى رشد العقل، فشملتهم عناية ربّانية في نهاية المطاف. كما أنّ الكافر وكذا المنافق، واقع بين ضلالين: ضلال سابق هي معاكسة نداء الفطرة وهدى العقل، فلحقهم ضلال وعمه عن سبيل الحقّ مع الأبدية «كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ».[٦]
إذن فكما أنّ الهداية اللاحقة منحة إلهية يكتسبها العبد بفضل جهوده في سبيل لقاء ربّه كذلك الضلال اللاحق خذلان من اللّه استوجبه العبد لنفسه، مغبّة إعراضه عن الحقّ وصموده على الغيّ والضلال، وفي كلا الجانبين يكون العبد هو السبب العامل لما يصيبه من سعادة وشقاء في نهاية المطاف «فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ».[٧]
مزعومة الأشعري في الإلجاء
وزعم الأشعري ومن على شاكلته من أهل الجبر، أن لاسبيل للعبد إلى اختيار طرق الهداية أو الضلال إطلاقا، وإنّما هي إرادته تعالى يهدي من يشاء بلا سبب ذاتي، ويضلّ
[١] - إبراهيم ٢٧: ١٤.
[٢] - الرعد ٢٧: ١٣.
[٣] - مقتبس من قوله تعالى:« ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ». الأنعام ٦٢: ٦.
[٤] - آلعمران ٢٤: ٣.
[٥] - النساء ١٧٥: ٤.
[٦] - البقرة ١٧: ٢- ١٨. راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج ١، ص ٤٢.
[٧] - يونس ١٠٨: ١٠.