التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥١ - هل في آيات الحبط عموم؟
يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ، وَ إِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ».[١] ولم يقل: «اجتنبوا» لأنّ الماضي يدلّ على تواصل الاجتناب في الماضي، ويثلمه التخلّف في فترة أو فترات. فمن ارتكب كبيرة مرّة أو مرّات طول حياته، لا يصدق بشأنه أنّه اجتنبها بصيغة الماضي، لكن يصدق بشأنه أنّه مجتنب أو يجتنب المعاصي بصيغة اسم الفاعل أو المضارع.
ولذلك لمّا جاء دور معصية خصوص الشرك، عبّر تعالى بصيغة الماضي: «وَ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها».[٢] لأنّها معصية غير مغفورة وليست بالتي لاتضرّ بالإيمان أن يقترفها المؤمن أحيانا في حياته!
والخلاصة: إنّه تعالى ذكر في الآية الكريمة أوّلًا جانب الإيمان وفعل الطاعات وعبّر عنه بصيغة الماضي، دلالة على الاستمرار والتواصل (الذين أحسنوا). ثمّ ذكر جانب ترك المعاصي واجتناب المحرّمات، وعبّر عنه بصيغة المضارع، دلالة على اعتبار كون المؤمن بانيا على تركها وملتزما على نفسه اجتنابها، الأمر الذي لايضرّه الاقتراف أحيانا. «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ».[٣]
ففي هذا الاختلاف في التعبير ماضيا ومضارعا- دلالة واضحة على أنّ سيّئة واحدة لاحقة ليست بالتي تمحق الحسنات السابقة بأسرها، كما يرومه القائل بالحبط! فلا مساس للآية بمسألة الإحباط رأسا.
٣- وقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى، كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا، وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ».[٤]
ربّما يزعم البعض أنّ في الآية الكريمة دلالة على الحبط بشأن المؤمنين أيضا. فإنّ الامتنان والأذى معصية تمحق حسنة الصدقة السابقة، ومن ثمّ قال تعالى في الآية قبلها:
«الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً، لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[١] - الشورى ٣٧: ٤٢.
[٢] - الزمر ١٧: ٣٩.
[٣] - هود ١١٤: ١١.
[٤] - البقرة ٢٦٤: ٢.