التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٠ - شواهد وبينات
إيمانها سوى قوم يونس.[١]
والآية مسبوقة بحكاية أمر فرعون: «حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ». فلم ينفعه إيمانه حينذاك «آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ؟».[٢]
فعقّبها بقوله: إنّ الإيمان عند معاينة العذاب لاينفع شيئا ولم ينفع قوما، «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ. فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ...
وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ، قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ».[٣]
نعم استثني من هذا القانون الإلهي العامّ مورد واحد لا ثاني له في تاريخ الامم، وهم قوم يونس، لمّا آمنوا عند معاينة العذاب، وتسجيل الهلاك عليهم، كشف اللّه عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتّعهم إلى حين، أي إلى حين أمد آجالهم الطبيعية.
وكانت هناك أسباب داعية لهذا الاستثناء الفريد في نوعه. ذكرها أرباب التفسير.
وهذا من البداء اللائح، حيث تغيير المشيئة بعروض موجبه، فقد رفع عنهم القضاء وكان قد ابرم إبراما.
روى العياشي بإسناده إلى محمّد بنمسلم عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في آية النسخ وآية المحو والإثبات، قال: فيفعل اللّه ما يشاء ويحوّل ما يشاء مثل قوم يونس، إذ بدا له فرحمهم.[٤]
وذكر الطبرسي عن قتادة وابنعباس برواية عطاء في تفسير الآية: معناه: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها، يريد بذلك: لم يكن هذا معروفا لُامّة من الامم كفرت ثمّ آمنت عند نزول العذاب وكشف عنهم، أي لم أفعل هذا بامّة قطّ إلّا قوم يونس لمّا آمنوا عند نزول العذاب كشف عنهم العذاب بعد ما تدلّى عليهم.[٥]
[١] - ونظيره في هذا الاستثناء قوله تعالى:« فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ». هود ١١٦: ١١. قال الطبرسي: معناه النفي وتقديره: لم يكن من القرون من قبلكم قوم باقون: ينهون ... أي كان يجب أن يكون منهم قوم بهذه الصفة. مجمع البيان، ج ٥، ص ٢٠١.
[٢] - يونس ٩١: ١٠ و ٩٢.
[٣] - النساء ١٧: ٤- ١٨.
[٤] - تفسير العياشي، ج ١، ص ٥٥، رقم ٧٧؛ والبحار، ج ٤، ص ١١٦، رقم ٤٢.
[٥] - مجمع البيان، ج ٥، ص ١٣٤.